بودكاسترياضة

المعركة التي لا يراها الجمهور.. ماذا يحدث داخل عقل اللاعب؟

أكد أستاذ علم النفس الرياضي وعميد كلية علوم الرياضة في جامعة جدارا زين العابدين بني هاني، أن الجانب النفسي أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إعداد اللاعبين، مشيرًا إلى أن إعداد اللاعب لا يقتصر على الجوانب البدنية والمهارية والتكتيكية، وإنما يشمل الجانب النفسي الذي يؤثر بشكل مباشر في قدرته على التعامل مع الضغوط والمنافسة.

وتناول بني هاني خلال حديثه في بودكاست رياضي عرض عبر منصات “جزيل” تأثير الظروف المحيطة بالمباريات على اللاعبين، مشيرًا إلى أن سوء أرضيات الملاعب ينعكس على أداء اللاعب وصورته داخل الملعب، موضحًا أن تجهيز ملاعب كرة القدم يحتاج إلى علم وخبرة، وأن أرضية الملعب تمثل جزءًا من إمكانات اللاعب والإنجاز.

وأشار إلى أن اللاعب عندما يخوض مباراة على أرضية سيئة قد يتأثر أداؤه، سواء من ناحية نقل الكرة أو الصورة التي يظهر بها أمام الجمهور، معتبرًا أن الاهتمام بالملاعب جزء من منظومة الرياضة وليس أمرًا منفصلًا عنها.

وفيما يتعلق بتأثير الجمهور على اللاعبين، أوضح بني هاني أن اللاعب المحترف يجب أن يمتلك القدرة على التعامل مع الضغوط الجماهيرية، لافتًا إلى أن تأثر اللاعب بما يقوله الجمهور أو بما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي قد يعكس ضعفًا في الجانب النفسي لديه.

وأكد أن وجود الإعداد النفسي أصبح ضرورة في الرياضة الحديثة، مستشهدًا باستعانة أندية ومدربين بأطباء وأخصائيين نفسيين لمساعدة اللاعبين على تحمل ضغط المباريات والجمهور.

وأوضح أن المنظومة التدريبية تتكون من أربعة جوانب رئيسية، هي الجانب البدني والمهاري والخططي أو التكتيكي والنفسي، مشددًا على أن هذه الجوانب تعمل معًا ولا يمكن الاهتمام بجانب وإهمال آخر.

وبيّن أن الإعداد النفسي للاعبين يأخذ شكلين، الأول إعداد جماعي لجميع اللاعبين قبل المباريات، والثاني إعداد فردي للاعبين الذين يمرون بظروف خاصة، مثل إضاعة ركلة جزاء أو ارتكاب خطأ تسبب في خسارة فريقه.

وأشار إلى أن بعض اللاعبين قد يتعرضون لضغط نفسي يفوق قدراتهم وإمكاناتهم النفسية، الأمر الذي قد ينعكس بصورة سلبية على أدائهم، في حين أن لاعبين آخرين يمتلكون صلابة ذهنية وقدرة أكبر على مقاومة الفشل.

وضرب بني هاني مثالًا باللاعب كريستيانو رونالدو، معتبرًا أن اختلاف العقلية والقدرة على مقاومة الفشل والانتقادات يمثل عاملًا مهمًا في استمرار اللاعب، كما أشار إلى مثال ريال مدريد أمام مانشستر سيتي، موضحًا أن الفريق استطاع العودة في المباراة رغم أن الظروف في لحظات معينة كانت تشير إلى اقتراب الخسارة.

كما تحدث عن تأثير النتائج السابقة على الحالة النفسية للاعبين والفرق، مشيرًا إلى أن بعض التجارب الصعبة قد تظل حاضرة في تفكير اللاعب حتى بعد مرور سنوات.

وشدد على أهمية وجود أخصائي نفسي ضمن المنتخب، خصوصًا مع حجم الضغوط التي يتعرض لها اللاعبون من الجمهور ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الإعداد النفسي يساعد اللاعبين على التأقلم مع ظروف ومتغيرات المباريات.

وأوضح أن الخطأ داخل المباراة لا يعني نهاية الأمر، مشيرًا إلى أهمية قدرة اللاعب على استعادة تركيزه والعودة إلى مستواه خلال المباراة نفسها، وأن هذه القدرة لا تأتي من فراغ، وإنما من الإعداد والتجهيز النفسي.

وبيّن أن نوع المباراة ومستوى الفريق المنافس وتأثير المباراة على اللاعب والفريق، إضافة إلى شعور اللاعب بالمسؤولية عن الخسارة، كلها عوامل تؤثر في الحالة النفسية للاعب.

وأشار إلى أن حراس المرمى يتحملون جزءًا كبيرًا من الضغط، بسبب طبيعة مركزهم وإمكانية ارتباط أخطائهم بنتائج المباريات، مؤكدًا أن رأي الجمهور لا يكون دائمًا صحيحًا، وأن نظرة الجمهور للاعب قد تتأثر بموقف مسبق منه.

كما أوضح أن هناك اختلافًا بين اللاعبين في طريقة تعاملهم مع المنافسة، فهناك لاعب يظهر بمستوى مرتفع خلال التدريبات لكنه لا يقدم المستوى نفسه في المباريات، بسبب اعتقاده بأن المباراة تمثل اختبارًا مباشرًا لنجاحه أو فشله.

وبيّن أن تراكم الخبرات يلعب دورًا مهمًا في بناء شخصية اللاعب، موضحًا أن اللاعب الذي يمر بتجارب الفشل والنجاح ويتعلم منها يكون أكثر قدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، بينما قد يتأثر اللاعب الذي لم يواجه معوقات كثيرة بأول تجربة فشل يمر بها.

وأكد أهمية المباريات التجهيزية والإعدادية في إعداد اللاعبين نفسيًا، موضحًا أن المدرب لا يجب أن ينظر إليها فقط من زاوية الفوز، بل يجب أن يستفيد منها في وضع اللاعبين أمام ظروف وتقلبات مختلفة حتى يصبحوا أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط.

وأشار إلى أهمية تصاعد مستوى المباريات والضغوط تدريجيًا قبل البطولات، حتى يصل اللاعب إلى البطولة وهو معتاد على مستويات مختلفة من المنافسة والضغط الجماهيري.

وتطرق بني هاني إلى تأثير الجمهور في المباريات، موضحًا أن اللاعب قد يواجه ظروفًا يكون فيها جمهور فريقه غائبًا أو يكون الجمهور المنافس هو الموجود، وبالتالي يجب أن يمتلك القدرة على التعامل مع هذه الظروف وعدم ربط أدائه بوجود الجمهور أو غيابه.

وأوضح أن فقدان التركيز بعد تسجيل الهدف قد يحدث نتيجة حالة الانفعال ونشوة العودة إلى المباراة، مشيرًا إلى أهمية دور اللاعبين أصحاب الخبرة والمدرب في التعامل مع هذه اللحظات.

كما تحدث عن مفهوم “مركز التحكم” في علم النفس، موضحًا أن هناك أشخاصًا ذوي تحكم خارجي يعزون نجاحهم أو فشلهم إلى عوامل خارجية، بينما يعزو أصحاب التحكم الداخلي نجاحهم وفشلهم إلى إمكاناتهم واستعدادهم وطريقة تعاملهم مع الموقف.

وأشار إلى أن اختيار اللاعبين لا يجب أن يعتمد فقط على الطول والوزن والإمكانات والمهارات، وإنما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار امتلاك اللاعب للقدرات والخصائص النفسية التي تتناسب مع طبيعة وصعوبة اللعبة.

وفيما يتعلق بالخوف قبل المباريات، أوضح بني هاني أن الاستعداد النفسي يبدأ قبل موعد المباراة بوقت، وأن مستوى التركيز والاستعداد والتهيئة النفسية يبدأ من انتهاء المباراة السابقة، وليس فقط قبل يوم المنافسة.

وأكد أن المرحلة التي تسبق المباراة تتضمن تجهيز اللاعب تدريجيًا، إلى جانب الجوانب التكتيكية والبدنية والتغذية، موضحًا أن نوعية الغذاء لها تأثير على الجانب النفسي أيضًا.

وأشار إلى أهمية وصول اللاعب إلى الملعب والتكيف مع ظروفه، خصوصًا عندما يكون الملعب مختلفًا عن الملاعب التي اعتاد عليها، مبينًا أن الإضاءة والإعلام والجمهور ومقاعد البدلاء وطبيعة العشب وغيرها من العوامل قد تمثل مشتتات تؤثر على تركيز اللاعب.

وبيّن أن لكل لاعب أسلوبًا مختلفًا في التهيئة النفسية، مشيرًا إلى أن بعض اللاعبين يحتاجون إلى الهدوء والتركيز قبل المباراة، وأن هناك وسائل تساعد على الاسترخاء والتخلص من المشتتات.

وأكد أهمية الدقائق التي تسبق المباراة في التهيئة النفسية، إضافة إلى وجود طرق وميكانيكيات للتركيز والاسترخاء داخل الملعب، حتى يصل اللاعب إلى الحالة المناسبة لخوض المنافسة.

وفي ختام حديثه، شدد بني هاني على أن وجود الأخصائي النفسي في المنتخب ضرورة مستمرة إذا كان الهدف تحقيق الإنجاز والاستمرارية والمحافظة على مستوى اللاعبين، مؤكدًا أن دوره لا يقتصر على بطولة أو مباراتين، وإنما يجب أن يكون جزءًا من العمل المستمر مع الفريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى