بودكاست

60 عامًا بلا قفل.. حكاية المخبز الذي لا يُغلق

منذ ستينيات القرن الماضي، يواصل مخبز صلاح الدين في عمّان استقبال الأردنيين من مختلف الفئات، محافظًا على مكانته الشعبية وتقاليده التي تجاوزت حدود بيع الكعك والبيض، لتصبح حكاية عن الذاكرة والكرم والانتماء. وفي حديثه لبودكاست «جزيل»، يؤكد حسين دراج أن المخبز ليس مجرد مشروع تجاري ورثه عن والده، بل إرث أردني مفتوح للجميع، سواء امتلك الزبون ثمن وجبته أم لم يمتلكه.

في قلب عمّان، وتحديدًا في منطقة العبدلي، يقف مخبز صلاح الدين شاهدًا على عقود من التحولات التي شهدتها المدينة، محتفظًا برائحته المألوفة وبزبائنه الذين توارثوا زيارته جيلًا بعد جيل. بالنسبة إلى حسين دراج، فإن قصة المخبز لا تختصرها وصفة الكعك أو طريقة تحضير البيض، بل تتجاوز ذلك إلى علاقة طويلة مع الناس، تقوم على الألفة والثقة ومراعاة ظروف الآخرين.

ويقول دراج إن مخبز صلاح الدين ليس ملكًا له بالمعنى الذي يختصره في مشروع خاص، بل هو إرث للأردنيين جميعًا، مؤكدًا أن أبوابه مفتوحة لكل شخص، بغض النظر عن قدرته المادية.

ويضيف أن العلاقة مع الزبون لا تقوم على الحساب وحده، إذ قد ينسى أحدهم دفع ثمن ما اشتراه، لكنه لا يريد أن يحرجه أو يضعه في موقف صعب. فبالنسبة إليه، كرامة الإنسان أهم من قيمة الوجبة، والزبون ليس مجرد شخص يدخل المحل ويغادره، بل جزء من عائلة تشكلت على مدار سنوات طويلة.

من مخبز تقليدي إلى علامة شعبية في عمّان

تعود بدايات مخبز صلاح الدين إلى ستينيات القرن الماضي، حين كان المكان أقرب إلى فرن تقليدي يأتي إليه الناس بخبزهم أو صواني الطعام ليتم خبزها. ومع مرور الوقت، تطور العمل ليصبح المخبز معروفًا بالكعك، وهي المهنة التي يقول دراج إن عائلته بذلت جهدًا كبيرًا في ترسيخ اسمها ومكانتها.

ويشير إلى أن والده كان من مؤسسي المخبز، إلى جانب شريكين، قبل أن تستقر ملكيته لدى والده. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت صناعة الكعك جزءًا أساسيًا من حياة العائلة، إذ عمل حسين مع والده، ثم التحق به إخوته، واستمر ارتباط الأبناء بالمهنة حتى امتد إلى الجيل التالي.

ويصف دراج هذه العلاقة بأنها مهنة متجذرة في العائلة، حتى باتت تفاصيلها جزءًا من حياتهم اليومية. ويشبه ما يفعله في عمله بإبداع الرسام في لوحته أو المطرب في أدائه، معتبرًا أن لكل مهنة فنها الخاص، وأن صناعة الطعام تحتاج إلى خبرة واهتمام ونفس طيبة.

وصية الأب: الطعام للجميع

من أبرز المبادئ التي ورثها حسين دراج عن والده أن الطعام لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإحراج المحتاج أو الانتقاص من كرامته.

ويستذكر أن والده كان يستقبل بعض العاملين الذين يمرون بالمخبز خلال يومهم، ويقدم لهم الطعام قبل أن يكملوا أعمالهم. كما يروي موقفًا يدل على حرص والده على أرزاق الآخرين؛ فعندما تعطلت سيارة والده واضطر إلى استخدام سيارة أجرة لفترة، استمر في الاعتماد على السائق حتى بعد إصلاح سيارته، كي لا يقطع مصدر رزقه.

ويرى دراج أن هذه المواقف لم تكن تفاصيل عابرة، بل دروسًا تعلمها الأبناء منذ الصغر، وأصبحت جزءًا من طريقة تعاملهم مع الناس.

ويؤكد أن فلسفة المخبز تقوم على أن يأكل الجميع بكرامة، سواء كان الزبون قادرًا على الدفع أم لا. ولهذا، لا يفضل أن يقول مباشرة لشخص يبدو أن ظروفه المادية صعبة إن الطعام على حساب المحل، لأنه يدرك أن مثل هذه العبارة قد تجعله يشعر بأنه موضع شفقة.

وبدلًا من ذلك، قد يخبره بأن شخصًا آخر دفع عنه، حتى يحافظ على كرامته ولا يشعر بأنه تلقى مساعدة مباشرة.

«بلد النشامى».. الخير الذي يراه خلف طاولة البيع

يرى دراج أن طبيعة عمله جعلته يكتشف جانبًا من المجتمع قد لا يراه الآخرون بالوضوح نفسه. فالقاضي قد ينشغل بالمشكلات القانونية، والطبيب قد يلاحظ انتشار المرض بين مراجعيه، بينما يرى هو يوميًا أشخاصًا يساعد بعضهم بعضًا من دون انتظار مقابل.

ويحكي أن بعض الزبائن يدفعون مبالغ إضافية لتغطية ثمن الطعام لمن لا يستطيع الدفع، ويطلبون منه أن يقدم الوجبة لذلك الشخص من دون أن يشعر بأنه يتلقى مساعدة.

ويعتبر أن هذه المواقف تعكس روح التكافل في المجتمع الأردني، حيث لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى طلب المساعدة حتى يجد من يقف إلى جانبه.

ومن المواقف التي بقيت في ذاكرته مشاهدته امرأة في العشرينيات من عمرها تأكل قطعة كعك يابسة تحت أشعة الشمس، بينما كان هو جالسًا في سيارته المكيفة. يقول إنه شعر حينها بتأنيب الضمير، فنزل إلى المخبز وأحضر لها كعكًا ساخنًا وبيضًا، محاولًا تقديم الطعام لها بطريقة تحفظ كرامتها.

لكن المرأة ترددت في قبوله، الأمر الذي جعله يدرك مجددًا مدى أهمية احترام عزة النفس عند تقديم المساعدة.

وبالنسبة إليه، فإن هذه المواقف تؤكد أن مساعدة الآخرين لا تتعلق فقط بما يقدمه الإنسان، بل بالطريقة التي يقدم بها المساعدة أيضًا.

عامل الوطن جزء من حكاية المخبز

لا تتوقف نظرة دراج إلى التكافل عند الزبائن، بل تشمل الأشخاص الذين يؤدون أعمالًا أساسية في الحياة اليومية، وفي مقدمتهم عمال الوطن.

ويقول إن العامل الذي ينظف الشارع يؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه، وإن تأخره قد ينعكس مباشرة على نظافة المكان وحياة الناس. لذلك، يحرص المخبز على استقبال هؤلاء العمال وتقديم الطعام لهم، انطلاقًا من تقديره لأهمية عملهم.

ويؤكد دراج أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطبيعة وظيفته أو مكانته الاجتماعية، وأن كل شخص يؤدي عملًا يحتاجه المجتمع يستحق الاحترام.

زبائن يعودون منذ خمسين عامًا

من أكثر ما يعتز به دراج أن بعض زبائن المخبز يرتبطون به منذ عقود، وأن عددًا منهم كان يأتي إلى المكان برفقة والده عندما كان طفلًا، ثم أصبح يعود إليه مع أبنائه.

ويقول إن بعض الزبائن يدخلون المخبز ليستعيدوا ذكريات المدرسة والشباب، ويتحدثوا عن الأيام التي كانوا يأتون فيها مع عائلاتهم. ويشعر تجاه هؤلاء بأنهم أقارب، لا مجرد زبائن اعتادوا شراء الطعام.

ولا تقتصر العلاقة على شراء الكعك، إذ يروي أن بعض الأشخاص قد يمرون بالمكان لمجرد إلقاء التحية أو الحديث معه، حتى لو لم يكونوا ينوون تناول الطعام.

وبالنسبة إلى دراج، فإن استمرار هذه العلاقة عبر الأجيال دليل على أن قيمة المكان لا تنبع من المنتج وحده، بل من الشعور بالألفة والراحة الذي يجده الناس فيه.

ويقول إن الزبون يعود إلى المكان الذي يشعر فيه بأنه في بيته، وهو ما يسعى المخبز إلى الحفاظ عليه منذ تأسيسه.

كعك وبيض.. وجبة تجمع الأردنيين

ارتبط اسم مخبز صلاح الدين لدى كثير من الأردنيين بالكعك والبيض، حتى أصبحت الوجبة جزءًا من ذاكرة المكان اليومية.

ويوضح دراج أن الكعك والبيض كانا الأساس منذ سنوات طويلة، قبل أن تضاف خيارات أخرى مثل الجبنة والزعتر. ويشير إلى أن تحضير البيض المشوي يتم بطريقة خاصة، إذ يوضع في الفرن لساعات، مع استخدام نشارة الخشب للمساعدة في امتصاص الرطوبة والروائح، بحسب شرحه.

كما يحرص المخبز على إعداد الكعك بصورة متواصلة، حتى يحصل الزبون على قطعة ساخنة تحتفظ برائحتها وطعمها.

ويؤكد دراج أن صناعة الكعك تحتاج إلى خبرة متخصصة، وأن السمسم عنصر أساسي في تركيبته وطريقة تحضيره، لافتًا إلى أن رائحة الكعك الساخن أصبحت جزءًا من هوية المخبز.

ولا يرى أن المهنة مجرد عملية إنتاج وبيع، بل حرفة لها خصوصيتها، مثلها مثل الأكلات التي ارتبطت بالثقافة المحلية، معتبرًا أن الحفاظ على طريقة التحضير التقليدية جزء من الحفاظ على إرث المكان.

وجبة بسيطة تجمع الموظف والوزير

من المفارقات التي يتحدث عنها دراج أن المخبز يستقبل أشخاصًا من مختلف الطبقات الاجتماعية، من العامل البسيط والموظف إلى المسؤول والشخصيات العامة.

ويقول إن الوزير والعامل البسيط قد يقفان أمام الكعك نفسه، ويقوم كل منهما بحشوه بيده، في مشهد يعكس طبيعة المكان الشعبية والبسيطة.

ويستذكر أن عددًا من الوزراء طلبوا الكعك من المخبز بعد أن دار الحديث عنه خلال اجتماع حكومي، كما أشار إلى زيارة مجموعات من المسؤولين والسياح الأجانب للمكان.

ومن بين الشخصيات التي تحدث عنها الأمير الحسن بن طلال، الذي قال إنه زار المخبز وتناول الطعام فيه، مشيرًا إلى ما لمسه من تواضع في شخصيته.

ويرى دراج أن هذه الزيارات تؤكد أن الطعام الشعبي يستطيع أن يجمع الناس بعيدًا عن الفوارق الاجتماعية، وأن البساطة قد تكون جزءًا من جاذبية المكان وقيمته.

المخبز الذي لا يغلق أبوابه

من السمات التي يفتخر بها دراج أن مخبز صلاح الدين يعمل على مدار الساعة، بنظام مناوبات يضمن استمرار العمل طوال اليوم.

ويقول إن المخبز افتتح في ستينيات القرن الماضي، وإنه يتمنى أن يستمر في استقبال الناس لأطول فترة ممكنة. ويصف المكان بأنه لا يكاد يغلق أبوابه، مستذكرًا أنه بقي مفتوحًا خلال جائحة كورونا، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها تلك الفترة.

وتتنوع الوجوه التي يستقبلها المكان بحسب ساعات اليوم؛ فالموظفون والمراجعون يمرون في الصباح، والعائلات تأتي في ساعات النهار، بينما يتوافد الشباب في الليل، ويزور المخبز أشخاص متجهون إلى أعمالهم أو عائدون منها في ساعات الفجر.

ويقول دراج إن موقع المخبز في منطقة تكثر فيها الكراجات لا يعني أن زبائنه يقتصرون على سكان المنطقة، إذ يأتيه أشخاص من أحياء بعيدة في عمّان، مثل الجبيهة وحي الحسين والويبدة وأبو نصير.

ولهذا، يحاول المخبز تسهيل الأمور على الزبائن الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إليه، حتى في الحالات التي لا تتوفر فيها وسيلة الدفع التي يريدون استخدامها.

ويؤكد دراج أن المشكلة لا ينبغي أن تقع على عاتق الزبون الذي جاء من مكان بعيد، وأن التعامل معه يجب أن يحافظ على كرامته ويقدّر مشواره.

أسعار يحاول المخبز إبقاءها في متناول الناس

يتحدث دراج عن التحديات الاقتصادية التي تواجه أي مشروع غذائي، من ارتفاع أسعار الطحين والسمسم والوقود إلى أجور العاملين وتكاليف تشغيل المكان.

ويوضح أن تكلفة القطعة الواحدة تتغير بحسب حجم المبيعات والمصاريف الثابتة، ما يجعل حساب التكلفة أمرًا مرتبطًا بظروف العمل اليومية.

لكنه يشير إلى حرصه على عدم رفع سعر الكعك رغم ارتفاع أسعار العديد من مكوناته خلال السنوات الماضية، لأنه يدرك أن بعض الزبائن يحسبون نفقاتهم بدقة، وأن زيادة بسيطة قد تدفعهم إلى تقليل الكمية التي يشترونها.

وبالنسبة إليه، فإن استمرار الزبون في العودة أهم من تحقيق مكسب سريع على حساب قدرته على شراء وجبته.

كما يروي أنه لا يبيع المشروبات الغازية في المخبز احترامًا لجاره الذي يعمل في بيعها، حتى لا ينافسه في مصدر رزقه. ويعتبر أن احترام الجيرة جزء من مبادئ العمل، وأن الرزق لا ينبغي أن يكون سببًا للإضرار بالآخرين.

«أنا موظف عند كل زبون»

رغم ارتباط اسمه بالمخبز وإدارته للعمل، يرفض دراج أن يختصر دوره في وصفه بمالك المكان، ويقول إنه يعتبر نفسه موظفًا لدى الزبائن والعاملين معه.

ويشرح أن المخبز لا يقوم على شخص واحد، بل على عائلة تعمل معًا، وأن العاملين فيه يرتبطون بالمكان لسنوات طويلة. ويقول إن عدد العاملين يبلغ نحو خمسة عشر شخصًا، وإن العلاقة بينهم تتجاوز حدود الوظيفة التقليدية.

كما يؤكد أن أبناءه بدأوا العمل في المخبز، في استمرار لتقليد عائلي انتقل من والده إليه، ثم إلى الجيل التالي.

ويشير إلى أن هذه المهنة أخذت من صحته وجهده، خصوصًا خلال سنوات العمل في الخَبز، لكنها منحته في المقابل شعورًا بالرضا لأنه يعمل في مهنة يستطيع من خلالها إطعام الناس يوميًا.

ويقول إن أكثر ما يعتز به هو أن يكون سببًا في إطعام مئات الأشخاص، معتبرًا أن هذه التجربة تمنحه إحساسًا بالبركة والرضا، وأن قيمة العمل لا تُقاس بالمال وحده.

والده.. قصة كفاح وكرم

عندما يتحدث دراج عن والده، يعود إلى قصة إنسان بنى نفسه بنفسه، ووصل إلى مكانته من خلال العمل والاجتهاد ومساعدة الآخرين.

ويصف والده بأنه رجل حازم، اعتمد على نفسه ولم تكن لديه شبكة عائلية تسنده عند وصوله إلى الأردن، لكنه استطاع بناء حياته وتأسيس عمله.

ويستذكر أن الناس كانوا يلقبونه بـ«المختار» في منطقة العبدلي، بسبب مساعدته لجيرانه ومعارفه، وحرصه على تلبية احتياجاتهم، سواء تعلقت بأمور بسيطة أو بمواقف احتاجت إلى وقت وجهد.

ويقول إن والده كان يحرص على مساعدة الآخرين من دون انتظار مقابل، وإن هذه السمعة الطيبة بقيت حاضرة في ذاكرة الناس.

وعندما سُئل عما كان سيقوله لوالده لو عاد إلى الحياة، أجاب بأنه اشتاق إليه كثيرًا، مؤكدًا أن والده كان إنسانًا عظيمًا، وأن مسيرته تمثل مصدر فخر له ولعائلته.

وتبدو هذه الذكريات جزءًا أساسيًا من تفسير دراج للطريقة التي يدير بها المخبز اليوم؛ فالعلاقة مع الزبون والاهتمام بكرامته ليستا مجرد سياسة عمل، بل امتداد لقيم تعلمها داخل أسرته.

المخبز إرث لا يملكه شخص واحد

بعد سنوات طويلة من العمل، يرى حسين دراج أن مخبز صلاح الدين أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية الأردنية، وأن مكانته لا تنبع من عمره فقط، بل من علاقته بالناس الذين حافظوا على حضوره عبر الأجيال.

ويؤكد أن المخبز ليس ملكًا له وحده، بل إرث للأردنيين جميعًا، وأنه يشعر بمسؤولية تجاه كل شخص يدخل المكان، سواء جاء لتناول وجبة أو لاستعادة ذكرى قديمة.

ويختصر دراج فلسفته في عبارة واضحة: «أنا موظف عند كل مواطن أردني».

وهي عبارة تلخص نظرته إلى العمل، حيث تتقدم خدمة الناس على الحسابات التجارية الضيقة، وتبقى كرامة الزبون جزءًا من هوية المكان.

وبين رائحة الكعك الساخن، وذكريات الآباء والأبناء، وقصص المساعدة التي تحدث خلف طاولة البيع، تستمر حكاية مخبز صلاح الدين بوصفه أكثر من محل شعبي؛ إنه مساحة تجمع بين المهنة والإرث والهوية، وتروي جانبًا من تفاصيل الحياة الأردنية اليومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى