يتحدث الإعلامي إلي فارس عن تجربته الطويلة في الأردن، وعن علاقته بالإذاعة وبرنامج «يا مسهرني»، الذي أصبح جزءًا من ذاكرة كثير من المستمعين. ويستعيد فارس بداياته في الأردن، بعد أن كان يعمل في لبنان، موضحًا أن مجيئه إلى الأردن جاء بعد حصوله على عدة عروض عمل، من بينها عمل في الإمارات وسوريا، إلى جانب طلب من صديقه ألكسي عبده، الذي كان قد جاء إلى الأردن وأسّس إذاعة «فن إف إم»، للعمل معه في مشروع إطلاق روتانا، الذي كان الهدف منه أن يبدأ من الأردن ثم ينتشر في دول عربية أخرى.
ويشير فارس إلى أنه كان يعمل في لبنان في أكثر من مجال إعلامي، إذ كان لديه تلفزيون وإذاعة واستوديوهات، لكنه قرر مغادرة لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأنه شعر بأن الأوضاع تتجه نحو الأسوأ، ولأنه كان لديه عائلة ومسؤولية تجاهها. لذلك رأى أن مغادرة لبنان لفترة والعمل في مكان آخر قد تكون خيارًا مناسبًا، على أمل أن تتحسن الأوضاع ويعود لاحقًا.
ومع مرور السنوات، أصبح الأردن بالنسبة إليه مكانًا قريبًا منه، ويقول إنه يعتبر نفسه فردًا من العائلات الموجودة في الأردن، بعدما عاش فيه سنوات طويلة وربّى عائلة كبيرة فيه، وأصبح جزءًا من المجتمع الأردني.
بدأت تجربة فارس في الأردن عام 2005، بينما بدأ برنامج «يا مسهرني» عام 2007، بعد تجربة برنامج آخر حمل اسم «فايق ورايق»، كان يقدمه مع الزميلة تالين قرش. ثم انتقل إلى «يا مسهرني»، الذي أصبح من البرامج المعروفة المرتبطة بصوته وحضوره الإذاعي.
ولا تقتصر تجربته على برنامج واحد، إذ يقدم برامج مختلفة في أوقات ومضامين متعددة، منها برامج اجتماعية وبرامج ترفيهية ومسابقات. ويؤكد أن لكل برنامج محتواه المختلف، وأنه يستمتع بتقديم الأنواع المختلفة من البرامج، سواء كانت اجتماعية أو ترفيهية أو غير ذلك.
أما برنامج «يا مسهرني»، فيوضح فارس أن فكرته لم تكن في الأصل قائمة على الحب فقط، رغم أن البرنامج ارتبط في أذهان كثير من الناس بقصص الحب والانفصال والمشكلات العاطفية. ويشرح أن فكرة البرنامج بدأت عندما كان يقدم برنامجًا ليليًا باسم «على عينك طلباتك» مع الزميلة ناديا الزعبي، وكان البرنامج يستقبل الاتصالات والإهداءات وطلبات الأغاني. ومن خلال الاتصالات، لاحظ وجود أشخاص كثيرين لديهم ضغوط ومشكلات ويحتاجون إلى من يسمعهم.
من هنا جاءت فكرة «يا مسهرني»، حيث كان الهدف أن يجد الناس مساحة يتحدثون فيها عن مشكلاتهم ويفرغون ما بداخلهم. ويشير فارس إلى أن الشخص قد يكون في بعض الأحيان قادرًا على إيجاد الحل بنفسه، لكنه يحتاج إلى شخص يسمعه أو يمنحه إشارة أو تلميحًا يساعده على رؤية الطريق المناسب.
ويؤكد أن البرنامج لم يكن برنامج حب، بل كان يتناول موضوعات مختلفة، منها الموضوعات الأسرية والاجتماعية، إلا أن طبيعة الاتصالات جعلت الجمهور يربطه أكثر بقصص الحب. فالكثير من المشاركين كانوا يتحدثون عن علاقات انتهت، أو عن أشخاص أحبوهم ولم توافق عائلاتهم على الارتباط بهم، أو عن مشكلات بين الشركاء والأصدقاء.
وبسبب طبيعة هذه الاتصالات، أصبحت مسؤولية فارس كبيرة تجاه الأشخاص الذين يتحدثون معه على الهواء. ويقول إنه عندما يقدم نصيحة لشخص ما، فإنه يفكر في تأثيرها عليه، وهل يمكن أن تساعده أو تؤذيه، ولذلك لا يستطيع أن يتعامل مع النصيحة بشكل عشوائي. ويرى أن الإعلامي الذي يستقبل مشكلات الناس على الهواء يجب أن يعرف كيف يتعامل معها وأن يكون مدركًا لمسؤوليته تجاه الشخص الذي يتحدث معه.
ويستذكر فارس إحدى الحالات التي بقيت في ذاكرته، عندما اتصل به شاب كان على علاقة بفتاة ويريد الارتباط بها، لكنه طلب من خلال البرنامج أن تبتعد عنه. وعندما سأله فارس عن سبب ذلك، أخبره أنه تعرض لحادث سير أدى إلى بتر ساقه، وأنه لا يريد أن يجعل الفتاة تعاني معه.
رأى فارس أن القرار لا يعود إليه وحده، وأن الفتاة يجب أن تكون صاحبة القرار أيضًا. وقال له إن الإنسان الذي يحب شخصًا آخر لا يبتعد عنه لمجرد أنه يمر بظرف صعب، وإن وقوفها إلى جانبه في هذه الحالة يمكن أن يكون دليلًا على محبتها ودعمها له.
وبعد نحو شهرين، جاء شقيق الشاب إلى الإذاعة ودعا فارس إلى حفل زفافه. اتصل فارس بالشاب، واستعاد معه الحديث السابق الذي دار بينهما، ليجد أن حالته النفسية تغيرت بشكل كبير. فقد أخبره الشاب أن الفتاة قالت له إنها لن تتخلى عنه مهما حدث، وأن هذا الموقف دفعه إلى تركيب طرف اصطناعي والعودة إلى عمله، ثم قررا الزواج.
ويرى فارس أن هذه الحالة كانت من الحالات التي شعر فيها بأنه استطاع أن يؤثر بشكل حقيقي في حياة شخص، وأنه ساعده على الخروج من حالة نفسية صعبة والعودة إلى حياته.
ويركز فارس في تعامله مع المستمعين على فكرة الاستماع والاحتواء، فهو يرى أن الشخص لا يكون دائمًا بحاجة إلى مساعدة، بل قد يحتاج فقط إلى أن يفضفض أو يحكي قصته. كما يؤكد أنه لا يستهين بأي مشكلة يطرحها أحد المستمعين، حتى لو بدت المشكلة بسيطة بالنسبة إلى شخص آخر، لأن كل إنسان ينظر إلى مشكلته من زاويته الخاصة، وما قد يبدو صغيرًا لشخص قد يكون كبيرًا جدًا بالنسبة إلى شخص آخر.
ومن وجهة نظره، فإن كثيرًا من المشكلات الأسرية والزوجية تبدأ من عدم وجود الحوار والاستماع بين الطرفين. فالزوج يحتاج إلى أن يسمع زوجته، وهي تحتاج إلى أن تسمع له، وعندما لا يعطي كل طرف الآخر الوقت الكافي للاستماع والحوار، تتراكم المشكلات وقد تصل في النهاية إلى الانفصال والطلاق.
ويؤكد فارس أنه لا يتعامل مع المشكلات من منطلق الوقوف مع الرجل ضد المرأة أو العكس، بل يرى أن كل شخص يجب أن يراجع نفسه وينظر إلى أخطائه تجاه الطرف الآخر. والهدف من التدخل، عندما يكون قادرًا على تقديم نصيحة، هو محاولة جمع الأطراف وإعادة العلاقة إلى مسارها.
ويرى فارس أن الإعلامي يجب أن يحمل رسالة إنسانية تجاه المجتمع، وأن يحاول، قدر الإمكان، أن يساهم في بناء مجتمع متصالح وراقٍ، لأن الراحة النفسية تساعد الإنسان على أن يعيش حياته بصورة أفضل.
وفي هذا السياق، يشجع فارس الناس على مراجعة الطبيب النفسي عند الحاجة، ويرى أن الفكرة المنتشرة بأن الطبيب النفسي مخصص للمجانين أو للمختلين عقليًا فكرة خاطئة. ويؤكد أن الإنسان عندما يواجه مشكلة أو خوفًا يمكن أن يلجأ إلى الطبيب النفسي ليساعده على التعامل معها والتخلص من الخوف أو المشكلة التي يعاني منها.
وبعيدًا عن برنامج «يا مسهرني»، يتحدث فارس عن الإذاعة بشكل عام وعن بدايات الإذاعات في الأردن، وعن وجود إعلاميين من جنسيات عربية مختلفة فيها. ويشير إلى أن الإعلاميين اللبنانيين كانوا من السابقين في مجال الإذاعة، وأن الإذاعات في لبنان بدأت في وقت مبكر مقارنة بالعديد من المحطات في الدول العربية، وهو ما أعطاهم خبرة في هذا المجال.
كما يشير إلى أن اللهجة اللبنانية محبوبة في العالم العربي، وأن وجود الإعلاميين اللبنانيين في الإذاعات الأردنية لم يكن بالنسبة إليه سببًا للشعور بعدم الأمان الوظيفي، بل كان يرى أن المنافسة أمر طبيعي في المجال الإعلامي.
وبعد سنوات طويلة في الأردن، يؤكد فارس أنه أصبح يعتبر نفسه فردًا من العائلة الأردنية، خصوصًا مع استمرار حضوره في حياة الناس وارتباطهم بصوته وبرامجه.
وعن مستقبل الإذاعة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يرى فارس أن الإذاعة لا تموت، وأن لها حضورًا مستمرًا. فالناس يستمعون إليها أثناء ذهابهم إلى أعمالهم وعودتهم منها، خصوصًا داخل السيارات. لكنه في الوقت نفسه يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت في طريقة متابعة الإعلام، وأن الجمهور أصبح يتابع البرامج أيضًا عبر الهواتف والتطبيقات ومواقع التواصل.
ويؤكد أن المؤسسات الإعلامية تواكب هذا التطور، وأن البرامج الإذاعية أصبحت موجودة على فيسبوك وتيك توك وغيرها من المنصات، بحيث يستطيع المستمع متابعة الإعلامي من خلال الإذاعة أو التطبيق أو الإنترنت.
ويرى فارس أن الإذاعة لا تزال تحتفظ برونقها، وأن العمل الإذاعي يعتمد بشكل أساسي على الصوت والأداء وطريقة الحديث ومخارج الحروف، بعكس التلفزيون الذي يلعب فيه الشكل دورًا أيضًا. وفي الإذاعة لا يرى الجمهور المذيع، وإنما يسمعه، ولذلك تصبح قدرة الإعلامي على استخدام صوته والتعبير من خلاله جزءًا أساسيًا من نجاحه.
وعند الحديث عن الفرق بين الإعلامي والمؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، يرى فارس أن هناك فرقًا كبيرًا، ويشير إلى أن الإعلامي يعمل ضمن قواعد مهنية، ويبحث عن المعلومة ويتأكد منها، بينما يرى أن بعض المؤثرين قد يأخذون المعلومات بشكل عشوائي. ويرى أن انتشار المؤثرين لا يعود إليهم وحدهم، بل يرتبط أيضًا بالجمهور الذي يتابع المحتوى الذي يقدمونه.
وفي الوقت نفسه، يقر فارس بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مهمة جدًا، وأنه يمكن في المستقبل تطوير بعض الأفكار وتحويلها إلى محتوى يتناسب معها، لكنه لا يرى أن هذا يعني انتهاء الإذاعة أو أن الوسيلة القديمة فقدت قيمتها.
ويشير فارس إلى أن لديه جمهورًا من مختلف الدول العربية، ومن الجاليات العربية في الولايات المتحدة، وأن هناك أشخاصًا يتابعونه بشكل شخصي، سواء من خلال الإذاعة أو وسائل التواصل الاجتماعي. فبعض المستمعين قد لا يهتمون بمتابعة الإذاعة بشكل عام، لكنهم يفتحونها في وقت معين للاستماع إلى شخص معين.
ويركز فارس كذلك على أهمية المصداقية بالنسبة إلى الإعلامي، ويقول إن ما يزعجه في الإعلام هو الكذب، خصوصًا عندما يقدم شخص نفسه أمام الناس بصورة مختلفة عن حقيقته، أو يعطي النصائح للآخرين بينما حياته الواقعية لا تتطابق مع ما يقوله.
ويرى أن الإعلامي يجب أن يكون كما هو، وأن يتقبل فكرة أن هناك أشخاصًا سيحبونه وآخرين لن يحبوه، لكن الأهم بالنسبة إليه ألا يكذب على الناس أو يحاول تجميل الأمور بهدف الحصول على محبتهم.
كما يؤكد أن المصداقية مهمة جدًا للإعلامي، وأن الحفاظ عليها يحتاج إلى عمل مستمر، لأن الإعلامي وجه معروف أمام الناس، وأي خلل في المصداقية يمكن أن يؤثر في الصورة التي بناها خلال سنوات.
وعلى المستوى الشخصي، يتحدث فارس عن طريقته في التعامل مع مشكلاته الخاصة، ويشير إلى أنه قد يلجأ إلى التأمل واليوغا، كما أنه لا يمانع في استشارة شخص يثق بأنه قادر على مساعدته أو تقديم نصيحة مفيدة له. وفي الوقت نفسه، يوضح أنه لا يفضفض لمجرد الفضفضة، وإنما يتحدث عندما يكون الشخص الآخر قادرًا على مساعدته أو تقديم نصيحة يمكن أن يستفيد منها.
ويؤكد أيضًا أهمية حفظ أسرار الناس، ويقول إن السر الذي يُقال له يبقى سرًا، وإنه لا يتحدث عن الأشخاص من خلفهم أو ينقل ما ائتمنوه عليه. وإذا عرف عن شخص أمرًا لا يعنيه، فإنه لا يتدخل في حياته، أما إذا طلب منه الشخص نصيحة، فإنه يقدمها له.
وفي نهاية الحديث، ينتقل فارس إلى الحديث عن لبنان، موضحًا أن الوضع الذي يعيشه لبنان يؤثر في المنطقة بشكل عام، سواء من الناحية الاقتصادية أو بسبب الحروب والأوضاع في الدول المجاورة. ويرى أن حل الوضع في لبنان يرتبط بالوصول إلى السلام والاتفاق، وأن التركيبة الموجودة تحتاج إلى حل حتى تسير الأمور في الاتجاه الصحيح، متمنيًا الخير للبنان ولكل الوطن العربي.
وعند توجيه رسالة إلى الجيل الجديد الذي يتابع المؤثرين وصناع المحتوى، يدعو فارس إلى عدم الانجرار وراء كل ما يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم اعتبار الصورة التي تظهر أمام الجمهور صورة كاملة عن حياة الشخص. ويرى أن على الناس النظر إلى الخلفية والحياة الاجتماعية لهؤلاء الأشخاص، وعدم التعامل مع كل ما يرونه على أنه واقع كامل.
ويشير إلى أن الوصول إلى الشهرة أصبح أسهل من السابق، لكن الشهرة لها تكاليفها، وأن قيمة الإنسان واحترامه لنفسه يجب ألا يرتبطا فقط بنظرة الناس أو بعدد المتابعين.
وفي ختام الحديث، يؤكد فارس أهمية الحذر في التعامل مع بعض المحتوى الذي يقدم على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا عندما يكون موجهًا إلى الجيل الجديد، ويرى أن على الناس أن يحافظوا على قيمتهم واحترامهم لأنفسهم، وألا ينجرفوا وراء كل ما يرونه.




