بودكاست

“أنا مش طبال”: صراع الكرامة والرفض المجتمعي للموسيقى في الأردن على ميزان سامر خالد

في حوار صريح مع بودكاست «جزيل»، تحدث الفنان والموسيقي الأردني سامر خالد عن رحلته في عالم الموسيقى، وتجربة تأسيس فرقة «حرقة كرت» التي أعادت تقديم الأغاني العربية القديمة بأسلوب موسيقي مختلف، متناولًا التحديات التي تواجه الفنان الأردني، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي على صناعة الموسيقى، والضغوط المالية التي قد تدفع الفنان إلى إعادة ترتيب أولوياته، إلى جانب حديث مؤثر عن فقدان أصدقاء وأفراد من عائلته خلال جائحة كورونا.

بعد سنوات من العمل والتجارب الموسيقية، يرى سامر خالد أن الطريق إلى النجاح الفني لم يعد يشبه ما كان عليه في بداياته. فالمنافسة اليوم أكثر اتساعًا، والجمهور أصبح قادرًا على الوصول إلى الفنانين بسهولة، لكن الوصول إلى الناس والتميز بينهم باتا أكثر صعوبة.

وخلال لقائه في بودكاست «جزيل»، استعاد خالد ذكريات بداياته الفنية، وتحدث عن التحولات التي شهدها الوسط الموسيقي الأردني والعربي، مؤكدًا أن التجربة والخبرة تمنحان الفنان قدرة أكبر على فهم خياراته، لكنهما لا تلغيان التحديات التي تفرضها طبيعة السوق وتغيراته المتسارعة.

«حرقة كرت».. فكرة أعادت تقديم الأغاني القديمة بروح جديدة

تُعد تجربة «حرقة كرت» من أبرز المحطات في مسيرة سامر خالد، إذ قامت فكرتها على إعادة تقديم الأغاني القديمة بأسلوب موسيقي مختلف، يجمع بين روح الأغنية الأصلية والتوزيع الحديث.

ويقول خالد إن الفكرة كانت بسيطة في بدايتها؛ فقد كان يرغب في الاستماع إلى الأغاني التي يحبها، لكن بطريقة جديدة تمنحها طابعًا مختلفًا. ومن هنا بدأ العمل على إعادة توزيع الأغاني المعروفة وتقديمها بصوت الفرقة وأسلوبها الخاص.

ولم يكن الهدف، بحسب حديثه، التخلي عن الأغنية الأصلية أو محو هويتها، بل منحها تجربة سمعية جديدة يمكن أن تجذب المستمعين القدامى وتعرّف الأجيال الأصغر إليها.

ويشير إلى أن الفرقة انطلقت في فترة مبكرة نسبيًا من انتشار هذا النوع من التجارب، وأنها استطاعت بناء جمهور تجاوز الأردن ليصل إلى بلدان عربية أخرى.

ويعتبر خالد أن وصول الفرقة إلى جمهور عربي أوسع كان خطوة مهمة، ليس على المستوى الشخصي فقط، بل أيضًا في إظهار قدرة الموسيقيين الأردنيين على تقديم أعمال تنافس خارج حدود بلدهم.

كيف اجتمع أعضاء الفرقة؟

لم تتشكل «حرقة كرت» نتيجة خطة طويلة ومكتملة منذ اليوم الأول، بل جاءت من خلال علاقات وتجارب موسيقية جمعت أشخاصًا يمتلك كل منهم مهارات مختلفة.

ويستذكر خالد كيف بدأت بعض هذه العلاقات عبر معارف مشتركة وفرص عمل في مجال الإنتاج الموسيقي، قبل أن تتطور الفكرة إلى تعاون فني أوسع.

ويؤكد أن العمل الجماعي كان قائمًا على تكامل المهارات؛ فكل شخص يمتلك جانبًا يستطيع تقديمه، ومع التجربة والتعاون بدأت ملامح الفرقة تتضح.

كما يعترف بأن الطريق لم يكن خاليًا من المحاولات غير الناجحة، إذ خاض تجارب موسيقية متعددة قبل أن يصل إلى الصيغة التي وجد فيها نفسه مع «حرقة كرت».

ويعكس حديثه جانبًا مهمًا من التجربة الفنية؛ فالنجاح الذي يبدو واضحًا للجمهور في صورته النهائية قد يكون وراءه سنوات من التجربة والتعديل والمحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة.

النجاح قبل عصر الأرقام والمشاهدات

عند استرجاع البدايات، يوضح خالد أن طريقة اكتشاف النجاح كانت مختلفة في السنوات الأولى من مسيرته. ففي الوقت الذي لم تكن فيه مواقع التواصل الاجتماعي قد وصلت إلى حضورها الحالي، كان الفنان يلمس أثر عمله من خلال الناس في الشارع.

ويستذكر أن سماع أغاني الفرقة من أشخاص لا يعرفهم كان يمنحه شعورًا بأن الجهد الذي بذله بدأ يصل إلى الجمهور فعلًا.

أما اليوم، فقد أصبح النجاح مرتبطًا بدرجة كبيرة بالأرقام والمشاهدات والتفاعل الرقمي، وهو ما غيّر طريقة متابعة الفنانين لأعمالهم وتقييم نتائجها.

ويرى خالد أن هذا التحول جعل المقارنة أكثر حضورًا، إذ يستطيع الفنان مراقبة أداء أغنيته لحظة بلحظة، ومقارنة أرقامها بأعمال أخرى، الأمر الذي قد يضيف ضغطًا جديدًا إلى عملية الإنتاج.

ويشير إلى أن الأغنية قد تحقق انتشارًا سريعًا، بينما تحتاج أعمال أخرى إلى وقت أطول حتى تجد جمهورها، ما يجعل الحكم على النجاح من خلال الأرقام وحدها أمرًا لا يعكس دائمًا قيمة العمل الفنية.

لماذا تراجع إنتاج الأغاني الجديدة؟

خلال الحوار، طُرحت على خالد تساؤلات حول تراجع كثافة الإصدارات الجديدة للفرقة مقارنة ببعض مراحلها السابقة، خصوصًا مع استمرار حضورها في الحفلات.

ولم ينفِ خالد وجود هذا التراجع، موضحًا أن ظروف العمل تغيرت مع مرور الوقت، وأن المسؤوليات المهنية والمالية أصبحت جزءًا أساسيًا من القرارات التي يتخذها الفنان.

ويشرح أن الفنان في بداياته قد يكون قادرًا على التركيز على الجانب الفني بصورة أكبر، لكن عندما تتزايد الالتزامات، يصبح مطالبًا بالتفكير في مصادر دخل مستقرة وتغطية تكاليف الإنتاج.

فإنتاج الأغاني يحتاج إلى ميزانيات وجهد ووقت، ولا يضمن النجاح التجاري بالضرورة. كما أن إدارة العمل الفني والتواصل مع العملاء ومتابعة الحسابات الرقمية قد تستهلك وقتًا كبيرًا من الفنان، خصوصًا عندما لا يمتلك فريقًا إداريًا يتولى هذه المهام عنه.

ويشير خالد إلى أن لديه وفريقه نشاطًا في مجال الإنتاج الصوتي، إلى جانب أعمالهم الموسيقية، وهو ما يفرض عليهم الموازنة بين المشاريع التي توفر الاستقرار المالي والمشاريع التي يريدون تقديمها فنيًا.

وبذلك، لا يرى أن قلة الإصدارات تعني بالضرورة غياب الرغبة في تقديم أعمال جديدة، بل ترتبط أحيانًا بواقع صناعة الموسيقى وتكاليفها والتزامات العاملين فيها.

هل أصبحت صناعة الموسيقى مرتبطة بالترند؟

يرى خالد أن السوشيال ميديا غيّرت معايير انتشار الأغاني، وأصبحت للأرقام والتفاعل السريع أهمية كبيرة في تحديد مدى وصول العمل إلى الجمهور.

ويشير إلى أن بعض الفنانين باتوا يعتمدون استراتيجية إصدار الأغاني المنفردة على فترات متقاربة، بحيث يواصل الفنان تقديم أعمال جديدة، ويستفيد من فرص انتشار كل أغنية.

لكن هذا الواقع لا يجعل الوصول إلى النجاح مضمونًا، فإنتاج أغنية قادرة على الانتشار يحتاج إلى عناصر متعددة، ولا توجد وصفة سهلة يمكن لأي شخص اتباعها لتحقيق النتيجة نفسها.

ويؤكد خالد أن الفنان قد ينفق مبالغ كبيرة على عمل موسيقي، ومع ذلك لا يحقق الانتشار الذي كان يتوقعه. وهذا ينطبق، بحسب حديثه، حتى على الفنانين المعروفين، الذين قد لا تحظى جميع أعمالهم بالاهتمام نفسه.

كما يرى أن تغير عادات الجمهور في التفاعل والمشاركة ينعكس على انتشار الأغاني، خصوصًا مع اختلاف طبيعة الجمهور الحالي عن الأجيال التي كانت تتابع الموسيقى عبر الإذاعات والتلفزيون والمنصات القديمة.

النجاح لا يأتي من فراغ

في موقف واضح من الانتقادات التي توجه إلى بعض الفنانين بسبب نجاحهم، شدد خالد على أن الوصول إلى الجمهور غالبًا ما يكون نتيجة جهد وتجارب متراكمة.

ويرفض اختزال مسيرة الفنان في أغنية واحدة انتشرت أو في مقطع أصبح رائجًا، داعيًا إلى النظر إلى المحاولات التي سبقت النجاح، حتى لو لم تحقق انتشارًا في وقتها.

ويشير إلى أن بعض الفنانين الذين حققوا شهرة واسعة اليوم كانت لهم أعمال سابقة لم تحظَ بالاهتمام نفسه، وأن الجمهور قد لا يتذكر تلك المراحل عندما يشاهد النجاح الحالي.

ومن وجهة نظره، فإن الفنان يحتاج إلى الاستمرار حتى يصل إلى المرحلة التي يجد فيها العمل طريقه إلى الجمهور، لأن النجاح لا يحدث دائمًا منذ المحاولة الأولى.

ويؤكد هذا الموقف أهمية عدم الاستهانة بتجارب الآخرين، أو الحكم على الفنان من خلال أغنية واحدة، بعيدًا عن الجهد الذي بذله والسنوات التي قضاها في تطوير أدواته.

الموسيقى الأردنية تستحق حضورًا عربيًا أوسع

تطرق الحوار إلى مكانة الموسيقى الأردنية، والحاجة إلى تعزيز حضورها في العالم العربي، وإظهار التنوع الذي يمتلكه الفنانون والموسيقيون في الأردن.

ويرى خالد أن الساحة الأردنية تضم مواهب قادرة على المنافسة عربيًا، وأن وصول الفرق والفنانين إلى جماهير خارج البلاد يمثل مصدر فخر، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن العمل يحتاج إلى الاستمرار وتطوير التجارب الفنية.

وتجربة «حرقة كرت» مثال على إمكانية تقديم محتوى موسيقي ينطلق من الأردن ويصل إلى جمهور أوسع، من خلال فكرة واضحة وأسلوب مختلف في إعادة تقديم الأغاني.

وفي هذا السياق، تحدث خالد عن استمرار العمل على مواد موسيقية جديدة للفرقة، مشيرًا إلى التحضير لجلسة تضم سبع نسخ جديدة من أغانٍ عربية وأجنبية قديمة، بما ينسجم مع الأسلوب الذي عُرفت به الفرقة.

ويشير ذلك إلى أن الفرقة لا تزال تسعى إلى تقديم أعمال جديدة، رغم التحديات المرتبطة بالإنتاج وإدارة العمل الفني.

بين الموسيقى والإذاعة.. تجارب صنعت الشخصية الفنية

لم تقتصر تجربة سامر خالد على الغناء والعمل مع الفرقة، بل امتدت إلى العمل الإذاعي، الذي تحدث عنه باعتباره مرحلة مليئة بالذكريات والتجارب المختلفة.

واستعاد خلال اللقاء أجواء العمل في الإذاعة، حين كان الفريق يقضي ساعات طويلة في متابعة البرامج والتواصل مع المستمعين، حتى خلال الظروف الجوية الصعبة.

ويصف تلك الفترة بأنها كانت تجربة مميزة، إذ منحت العاملين شعورًا بالعمل الجماعي، وكانت التفاعلات المباشرة مع الجمهور جزءًا أساسيًا من يومهم.

لكنه أشار أيضًا إلى أن طبيعة العمل الإذاعي وما يرافقها من دوام والتزامات قد لا تتناسب مع كل المراحل المهنية، خصوصًا عندما يصبح لدى الشخص أكثر من مشروع ومسؤولية.

وتعكس هذه التجربة تنوع المسارات التي خاضها خالد، وقدرته على الانتقال بين الموسيقى والإنتاج والعمل الإذاعي، قبل الاستقرار على الطريقة التي تناسب ظروفه وأهدافه.

كورونا.. خسارات شخصية ومرحلة صعبة

كان لجائحة كورونا حضور مؤلم في حديث سامر خالد، إذ استذكر وفاة صديقه ورفيق الفرقة ناصر سبتي، إلى جانب وفاة والده خلال الفترة نفسها.

وتحدث عن تلك المرحلة بوصفها واحدة من أصعب الفترات التي مر بها، مشيرًا إلى أن ما رافق الجائحة من ظروف استثنائية جعل التجربة أكثر قسوة على المستوى الشخصي والمهني.

ولم تكن آثار الجائحة مقتصرة على توقف الأعمال أو تراجع فرص العمل في المجال الفني، بل امتدت إلى خسارات شخصية تركت أثرًا عميقًا في حياته.

ويكشف هذا الجانب من الحوار عن الوجه الآخر للحياة الفنية، الذي لا يظهر دائمًا للجمهور؛ فالفنان الذي يقف على المسرح ويقدم أعماله يعيش، مثل غيره، ظروفًا شخصية قد تغير نظرته إلى الحياة والعمل.

هل يواجه الفنانون أحكامًا اجتماعية بسبب مهنتهم؟

من أكثر المحاور صراحة في اللقاء، حديث خالد عن نظرة بعض أفراد المجتمع إلى مهنة الغناء والموسيقى.

ويستذكر مواقف شعر فيها بالحرج من الحديث عن عمله خلال فترة كورونا، عندما كانت الظروف العامة صعبة وكان الناس يواجهون الخوف والمرض وفقدان الأحبة، في وقت بدا فيه العمل الفني للبعض وكأنه مجرد ترفيه.

ويرى أن هذه النظرة قد تتجاهل طبيعة العمل الموسيقي والجهد المبذول فيه، كما قد تتعامل مع جميع الفنانين بالطريقة نفسها، من دون التمييز بين طبيعة الأعمال التي يقدمونها ومحتواها.

وفي معرض حديثه، يؤكد أنه يحرص على تقديم موسيقى وكلمات محترمة، ويرفض اختزال الفن في الصور النمطية أو إطلاق الأحكام العامة على كل من يعمل في المجال.

كما يشير إلى أن اختلاف الآراء حول الفن أمر موجود، لكن تقييم الفنان يجب أن ينطلق من عمله ومحتواه، لا من افتراضات مسبقة حول مهنته.

ويعكس هذا المحور تحديًا أوسع يواجهه بعض العاملين في المجال الفني، يتمثل في محاولة التوفيق بين خياراتهم المهنية ونظرة المجتمع إلى طبيعة عملهم.

هل حققت «حرقة كرت» كل ما يطمح إليه سامر خالد؟

عند الحديث عن مستقبل الفرقة، لا يتعامل خالد مع ما تحقق باعتباره نهاية الطريق. بل يشير إلى أنه لا يزال يشعر بأن هناك خطوة أكبر لم يصل إليها بعد، وأن الوصول إليها يحتاج إلى الاستمرارية والعمل لسنوات.

ويستعيد بعض المحطات التي حققت فيها أعمال الفرقة انتشارًا جيدًا، لكنه يتحدث أيضًا عن فرص يرى أنه لم يستثمرها بالشكل الكافي.

كما يلفت إلى أن التعامل مع السوق الفني اليوم أصبح مرتبطًا بعوامل إضافية، من بينها حجم الحضور الرقمي وعدد المتابعين، وهي معايير قد تؤثر في فرص التعاون مع العلامات التجارية أو الحصول على مشاريع جديدة.

ويرى أن هذا الواقع يضع الفنان أمام تحديات تتجاوز صناعة الموسيقى نفسها، إذ أصبح مطالبًا بإدارة صورته الرقمية ومتابعة حضوره على المنصات، إلى جانب إنتاج أعمال تحافظ على هويته الفنية.

ومع ذلك، فإن حديثه عن التحضير لأعمال جديدة يعكس رغبة في مواصلة التجربة وعدم الاكتفاء بما تحقق حتى الآن.

سامر خالد: الطريق الفني يحتاج إلى نفس طويل

تكشف تجربة سامر خالد مع «حرقة كرت» عن مسيرة قامت على التجريب والعمل الجماعي وإعادة النظر في شكل الأغنية المألوفة، قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع له جمهوره داخل الأردن وخارجه.

لكن الحوار يوضح أيضًا أن استمرار الفنان في العمل لا يعتمد على الموهبة وحدها؛ فهناك تكاليف إنتاج، والتزامات مالية، وتغيرات في سلوك الجمهور، وضغوط تفرضها المنصات الرقمية، إلى جانب الظروف الشخصية التي قد تؤثر في مسار الحياة المهنية.

وبين الذكريات الأولى للفرقة، وتجارب الإذاعة، والخسارات التي تركت أثرها، والتحضير لإصدارات جديدة، يبدو خالد متمسكًا بفكرة أن التجربة الفنية لا تتوقف عند نجاح واحد.

فالاستمرارية، كما يظهر من حديثه، ليست مجرد تكرار لما نجح في الماضي، بل محاولة دائمة لتطوير الفكرة، والحفاظ على الهوية الموسيقية، وإيجاد مساحة جديدة للفن الأردني في مشهد عربي شديد المنافسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى