بودكاستمونولوج

شهادة حقيقية عن الإدمان والتعافي مع د. أماني الفرجات | بودكاست مونولوج

هل تساءلت يوماً كيف يبدو العالم من عيني شخص فقد السيطرة على حياته؟ بعيداً عن الأحكام المسبقة والصور النمطية، نغوص في حوار يكشف الستار عن العقلية الداخلية للإدمان. من خلال حوار صريح وجريء مع د. أماني الفرجات، يشاركنا “سعد المحمود” تفاصيل تجربته القاسية، لا ليقدم اعترافات، بل ليقدم خريطة طريق مؤلمة وصادقة. هذه المقالة هي دعوة لفهم أعمق للمعاناة الإنسانية، ورسالة أمل لكل من يعتقد أنه وصل إلى نقطة اللاعودة.

مراحل البودكاست

1. المرحلة الأولى (00:00:00 – 00:00:44): مقدمة: الإدمان كحفرة عميقة
تبدأ د. أماني الحلقة بالتمهيد للحوار، وتصف الإدمان بأنه ليس مجرد مادة، بل حفرة تبدأ بالفضول أو الهروب، وتقدم ضيف الحلقة “سعد المحمود” لسرد قصته الحقيقية.

2. المرحلة الثانية (00:00:45 – 00:01:45): معنى كلمة “مدمن” والتصالح مع الذات
يسأل سعد عن شعوره تجاه كلمة “مدمن”، فيوضح أن التصالح مع هذا المسمى والاعتراف بالمشكلة هو أولى خطوات الراحة، ويعرّف نفسه بأنه “مدمن سابق” في طريقه للتعافي.

3. المرحلة الثالثة (00:01:46 – 00:04:12): نظرة المدمن المشوهة للعالم
يصف سعد كيف كان يرى العالم في فترة الإدمان، حيث كان يعيش في حالة إنكار ويعتقد أن الأشخاص الأصحاء هم المخطئون، ويشرح كيف كان عالمه محصوراً بالمواد المخدرة.

4. المرحلة الرابعة (00:04:13 – 00:07:10): لحظة الإدراك: الاصطدام بجدار المشاكل
يوضح سعد أن إدراكه لمشكلة الإدمان لم يأتِ فجأة، بل نتيجة تراكم المشاكل الكبيرة التي لم يعد قادراً على إنكارها، وكيف استخدم آليات الدفاع النفسي كإلقاء اللوم على الآخرين قبل أن ينكشف أمام نفسه.

5. المرحلة الخامسة (00:07:11 – 00:09:31): التجربة الأولى الحقيقية: من الكحول إلى الليريكا
يروي سعد قصة أول مادة شعر بالتعلق بها، موضحاً أنه بدأ بإساءة استخدام الكحول لكنه لم يحبه، وكانت حبة “الليريكا” هي بداية رحلته الحقيقية مع الإدمان حيث وجد فيها متعة دون أعراض جانبية في البداية.

6. المرحلة السادسة (00:09:32 – 00:10:50): الغوص في الأعماق: التدرج إلى مواد أشد خطورة
بعد الليريكا، يذكر سعد أنه جرّب كل أنواع المواد المتاحة تقريباً، باستثناء الحقن بسبب خوفه منها، ويعدد بعض المواد التي تعاطاها مثل الكبتاجون والكوكايين، وكيف أنقذه خوفه من الحقن من مخاطر أكبر.

7. المرحلة السابعة (00:10:51 – 00:12:47): جاذبية الإدمان: تأثير الإعلام والمجتمع
يشرح سعد الأسباب التي تجعل الإدمان يبدو جذاباً، مشيراً إلى دور الأفلام وأغاني الراب ووسائل التواصل الاجتماعي في ربط المخدرات بالنجاح والقوة والمتعة، مما يبرمج عقول الشباب بشكل خاطئ.

8. المرحلة الثامنة (00:12:48 – 00:16:25): “شهر العسل” للإدمان والانهيار الحتمي
يوضح أن بداية التعاطي قد تكون إيجابية وممتعة (مرحلة شهر العسل)، لكنها مؤقتة، حيث يتحول التعاطي تدريجياً إلى ضرورة للشعور بالحالة الطبيعية، ثم وسيلة للهروب من الاكتئاب، ويؤكد أن الضرر التراكمي يظهر على المدى الطويل.

9. المرحلة التاسعة (00:16:26 – 00:19:10): مراحل الإدمان الأربع: من المتعة إلى الاصطدام بالقاع
يفصّل سعد المراحل التي يمر بها المدمن: مرحلة شهر العسل (المتعة)، مرحلة العادة (ليصبح طبيعياً)، المرحلة الكئيبة (للتعامل مع الاكتئاب)، وأخيراً مرحلة القاع (خسارة كل شيء).

10. المرحلة العاشرة (00:19:11 – 00:22:14): نظرة إلى الماضي: نصيحة وندم
يتأمل سعد فيما لو عاد بالزمن، ويقول إن أكبر ندم يشعر به هو إيذاء الأشخاص الذين يحبونه، ويؤكد على أهمية بناء عادات إيجابية والاعتناء بالعلاقات بدلاً من محاولة إيقاف التعاطي بالقوة في البدايات.

11. المرحلة الحادية عشرة (00:22:15 – 00:25:49): القرار المصيري: فقدان الأمل وإيجاده روحياً
يتحدث عن محاولاته الفاشلة العديدة للتوقف، وكيف وصل إلى مرحلة اليأس حيث لم يعد دماغه قادراً على إنتاج الأمل، ويشير إلى أن اللجوء إلى الله هو ما منحه القوة والأمل للاستمرار.

12. المرحلة الثانية عشرة (00:25:50 – 00:28:13): القشة التي قصمت ظهر البعير: مفاجأة عيد الميلاد
يروي سعد الموقف الحاسم الذي دفعه لاتخاذ قرار التعافي الحقيقي، وهو عندما فاجأه أخوه وأصدقاؤه في عيد ميلاده، ولكنه لم يستطع الشعور بالفرح، فأدرك حينها أنه وصل إلى الحضيض.

13. المرحلة الثالثة عشرة (00:28:14 – 00:34:17): الحياة بعد الإدمان: إدارة الاشتياق وعلم النفس الإيجابي
يشرح الفرق بين “الامتناع” و”الاقتناع” في التعافي، مؤكداً أن السعادة الحقيقية تأتي من إيجاد بدائل صحية، ويتحدث عن أهمية علم النفس الإيجابي في التركيز على بناء مستقبل أفضل بدلاً من الخوف من الماضي.

14. المرحلة الرابعة عشرة (00:34:18 – 00:39:06): حقيقة التعافي: الانتكاسات وتجارب الاقتراب من الموت
يكشف سعد أن طريق التعافي لم يكن سهلاً، بل تخللته انتكاسات خطيرة وجرعات زائدة كادت تودي بحياته، ويروي قصة انتكاسته في مهرجان موسيقي والتي كانت بمثابة درس قاسٍ له.

15. المرحلة الخامسة عشرة (00:39:07 – 00:42:12): العلامة الحقيقية للتعافي: التغيير الجذري في العقلية
يؤكد أن التعافي الحقيقي لا يكتمل إلا بتغيير العقلية بالكامل، بحيث يصبح الإنسان شخصاً جديداً، لدرجة أنه لم يعد قادراً على الانسجام مع أصدقائه القدامى لأن طريقة تفكيره اختلفت تماماً.

16. المرحلة السادسة عشرة (00:42:13 – 00:44:38): الدرس الأكبر: تحمل المسؤولية الكاملة
يشارك سعد أهم درس تعلمه من رحلته، وهو أن التغيير يبدأ من تحمل المسؤولية الكاملة عن أخطائه وحياته، والتوقف عن لعب دور الضحية وإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين.

17. المرحلة السابعة عشرة (00:44:39 – 00:50:29): نصائح عملية: خارطة طريق للمدمنين وعائلاتهم
يقدم سعد نصائح عملية لمن يرغب في التعافي، مشدداً على ضرورة وضع خطة واللجوء لفريق متكامل من المختصين (طبيب، معالج، مدرب)، كما يقدم إرشادات للأهل حول كيفية التعامل مع ابنهم المدمن بشكل موحد وحازم.

18. المرحلة الثامنة عشرة (00:50:30 – 00:54:18): الوصمة الاجتماعية: مواجهة عدم التصديق والأحكام المسبقة
يتحدث عن التحديات الاجتماعية التي واجهها بعد التعافي، مثل عدم تصديق أهله لتغيره في البداية، والصعوبات التي واجهها عند زواجه بسبب ماضيه، مؤكداً على ضرورة إثبات التغيير بالأفعال مع مرور الزمن.

19. المرحلة التاسعة عشرة (00:54:19 – 01:04:00): الحياة كفيلم: فكرة الموت والبعث من جديد ورسالته الحالية
يتأمل سعد في حياته ويصفها بأنها تشبه “الموت والعودة للحياة”، ويتحدث عن رسالته الحالية في الحياة، وهي مساعدة مليون شخص على التعافي من خلال بناء منهجية علاج شاملة تناسب الثقافة العربية.

20. المرحلة العشرون (01:04:01 – 01:07:12): كلمات أخيرة: رسالة أمل وخاتمة
يختتم سعد حديثه بتوجيه نصيحتين: الأولى لمن هو في بداية طريق الإدمان بأن يخرج منه مبكراً، والثانية لمن هو غارق فيه بأن يتخذ القرار ويضحي من أجل التغيير، مؤكداً أن الأمل موجود دائماً، ثم تختتم د. أماني الحلقة.

بداية البودكاست

د. أماني الفرجات: أعلم أننا نحن العرب، وخاصة في الأردن، نميل أحياناً إلى وضع بعض الشكليات. الأمر لا يتعلق بالحياء، بل إننا نرغب في البساطة. حسناً؟ أي، لا بأس أن تتحدث بصراحة، خذ راحتك تماماً. إن أصحاب الألم والمشاكل أغلبهم في الأساس تائهون من شدة الألم. إن الإدمان ليس مجرد مادة، بل هو حفرة تبدأ من الفضول، أو حباً في التجربة، أو حتى باعتباره أسلوباً لحل المشكلات أو وسيلة للهروب. اليوم سنتحدث عن شخص مر بهذه التجربة وخرج منها. لن نزيد ولن نبالغ، بل سنروي قصة حقيقية. معنا سعد المحمود، أهلاً وسهلاً بك يا سعد.

سعد المحمود: أهلاً وسهلاً بكِ دكتورة.

د. أماني الفرجات: أهلاً بك. فكرة أنك كنت تسمع كثيراً كلمة “مدمن”، أو حتى حالياً تعتبر “مدمن سابق”، كلمة “مدمن” عندما تسمعها، ماذا تُشعرك أو ما الذي يخطر ببالك؟

سعد المحمود: طبعاً، أهلاً وسهلاً بكِ. أنا أشكركِ على هذه الاستضافة، وإن شاء الله تكون حلقة فيها فائدة للناس. الآن، هناك الكثير من الناس يهربون أحياناً من الواقع أو يتصورون لأنفسهم أن المدمن شخص سيء أو مجرم. ولهذا السبب، كثير من الشباب الذين يعانون من مشكلة إدمان يقولون: “أنا لست مدمناً، أنا ربما أستخدم هذه المواد، وقد حصلت عليها بوصفة طبية”. ولكن عندما نتقبل الكلمة بطريقة أخرى أو نفهمها على أننا، حسناً، نعترف بهذه المشكلة، أعترف أننا مررنا بها، ونتصالح معها، فإننا نرتاح كثيراً. أنا كسعد، دائماً أعرّف بنفسي على أنني مدمن سابق، مررت بتجربة إدمان مدتها تسع سنوات تقريباً، ثماني سنوات وبضعة أشهر لنكون دقيقين، وأنا الآن في السنة السابعة من التعافي. تصالحي مع هذه الفكرة، بل على العكس، أنا أحب المدمنين، على فكرة، أشعر أنهم مثل عائلتي الثانية. أحب مساعدتهم لأنني مررت بتجربتهم، ولأنني أيضاً متصالح مع نفسي.

د. أماني الفرجات: وقتما كنت مدمناً، من داخلك، كيف كنت تنظر إلى العالم، إلى الناس، إلى المستقبل؟

سعد المحمود: والله انظري، الإدمان يمر بمراحل. في البداية، أنت لا تتصور أصلاً كيف وقعت أو كيف أصبحت مدمناً. وحتى وأنت في ذروة المشكلة، تراودك الشكوك، فتقول: “هل هكذا يكون المدمن؟ أو هل أنا مدمن؟ هل سأخرج من هذا؟ هل هناك مخرج؟”. لكن من الأشياء المضحكة عندما يكون الشخص لا يزال يعيش في حالة إنكار، أنه يرى الناس غير المتعاطين هم المخطئون، ويحزن عليهم أحياناً لأنهم قد فاتهم شيء جميل جداً. على سبيل المثال، كنت أحياناً أنظر حتى إلى أهلي أو إخوتي، أخي الأكبر أو غيره، وأقول: “هذا الرجل لا يعرف كيف يعيش، هناك شيء جميل جداً هو غير قادر على تجربته أو لا يعرفه”. ذلك لأنني كنت أتوقع أو كان فكري كله والكون بأسره محصوراً عندي في هذه المواد واستخدامها. طبعاً مع الوقت، ومع الألم والمشاكل، شيئاً فشيئاً تبدأ بالانكشاف أمام نفسك وتقول: “انتظر، حسناً، كنت تظن أنك ذكي وسعيد، طيب، أنت الآن لم تعد سعيداً، أصبحت عادياً، وبعد فترة، لا، أصبحت لديك مشاكل كبيرة، أصبحت مكتئباً”. فتكون في صراع، أتعترف لنفسك؟ لا تستطيع الاعتراف بضعفك. فلمن تعترف إذن؟ ومع من تتحدث؟ فبصراحة، هي مشكلة كبيرة يعاني منها المدمن، فحتى دائرته الاجتماعية، على سبيل المثال، يخاف من الحكومة، يخجل، ويخاف أن يخبر أهله. كيف سيخرج؟ يسأل أصحابه، وأغلب أصحابه في الأساس تائهون. كنت أسأل أصحابي فكان أحدهم يقول لي: “يا أخي، أنت تبالغ في الأمر، نحن لو أردنا الخروج لاحقاً لخرجنا من هذا الموضوع”. لكنه في الحقيقة لا يريد الخروج، أو يبدأ بالضحك عليك ويقول لك إنك ضعيف، وإنك لا تعرف كيف تخرج، “أنا لو أردت الخروج لخرجت بسرعة”. فلاحظي، بين السعادة في البداية، والوهم الذي يرى الناس من خلاله، وبين الخوف والشك والتردد، وعندما يبدأ بالتعب، يشعر بالضياع. تائه، لا يعرف من يسأل. بصراحة، هي رحلة غريبة بعض الشيء، يعني مهما حاولت أن أصفها، عندما تعيش الأمر يكون مختلفاً جداً، مختلفاً جداً. يعني، كل تجارب الحياة قد تمر بموقف وينتهي، ولكن لا، هذه معاناة تمر بها لسنوات.

د. أماني الفرجات: كم تولّد لديك من مشاعر مضطربة؟ في البداية تبدأ وتشعر أنك قادر على السيطرة، أو أنك تقول: “لا، أنا أعرف كيف أسيطر”، فتفرح وتقول: “سأبدأ، لا مشكلة”. لكن مع مرور الوقت، تشعر أن السيطرة تُسلب منك كلياً، والمادة هي التي تسيطر عليك. وبالتالي، لا تصبح مجرد مادة واحدة، بل تجرب مادتين، ثلاثاً، وأكثر وأكثر، لكي تستمر في عيش نفس الشعور القوي الذي كنت تعيشه في البداية. فشعور السيطرة هو الأساسي في مثل هذا الأمر.

سعد المحمود: مئة بالمئة، مئة بالمئة.

د. أماني الفرجات: طيب، ما الذي جعلك تدرك أنك أصبحت شخصاً مدمناً؟

سعد المحمود: الآن، أنا في العادة لم أكن أفكر بهذه الطريقة. يعني أنا الآن مثلاً خرجت من الموضوع، فأنظر إليه بطريقة مختلفة، وأطرح الأمور أحياناً بطريقة علمية وعملية، ومن القصص أتعلم في كل مرة شيئاً عن نفسي. لكن في ذلك الوقت، كانت المشاكل والمصائب التي تحدث. يعني أنت تمضي وتشعر أنك على صواب وأنك تعرف كل شيء، ثم تصطدم بمشاكلك. وفي بعض المشاكل… أنا كشخص كان لدي اندفاعية قوية جداً، فاستخدامي أو تعاطيّ للمواد لم يكن شيئاً عادياً. لم يكن الأمر أنني آخذ حبة، ثم بعد ستة أشهر تصبح حبتين أو ثلاثاً، لا. أنا كان اليوم حبة، الأسبوع القادم أريد حبتين أو ثلاثاً، الشهر التالي أريد أن أُدخل مادة جديدة، الشهر الرابع أريد شيئاً يجعلني أنام.

د. أماني الفرجات: تصبح بحاجة إلى زيادة المواد لتحصل على التأثير الأصلي الذي حصلت عليه.

سعد المحمود: مئة بالمئة. أريد أول شيء، ولكن أيضاً أحياناً ينتابني شعور “هل من مزيد؟”، هناك متعة أكبر، أريد المزيد، أريد أن أصل إلى نشوة أكبر. في ذلك الوقت، ينغمس المرء بسرعة، أو يغوص في هذه المشكلة بسرعة، فيبدأ بالاصطدام. يبدأ بالاصطدام بالحياة، يبدأ بالاصطدام بالمشاكل. في البداية ينكر. في العادة، ما هي أسلحة المدمن؟ يبدأ بالقول إن الناس الآخرين هم المخطئون. يعني إذا كانت لديه مشكلة مع أبيه أو أمه، يقول: “أصلاً أبي منذ صغري لم ينفق علي، لم يعلمني”. يحاول أن يجد لنفسه قصة أو مشكلة، أو يقول: “أمي تعامل أخي أفضل مني”، يحاول أن يعيش دور الضحية. هذه إحدى الأقنعة التي يرتديها. أو مثلاً، يبدأ بلوم الوضع والمجتمع والوضع الاقتصادي والحروب والدنيا، أو يبدأ بلوم زوجته إذا كان متزوجاً، أو أولاده بأنهم لا يسمعون كلامه. يعني يحاول أن يجد شيئاً يعلّق عليه مشكلته بحيث لا يواجهها. ولكن عندما تسقط كل هذه الأقنعة أمامه، لأن المشاكل التي يجلبها أصبحت أكبر، فجأة ينكشف أمام نفسه. هذه هي المرحلة التي انكشفت فيها أمام نفسي. وصلت إلى مرحلة، وهي صعبة جداً على فكرة، يعني تخيلي أن تكتشفي أن سنوات من شبابك، أجمل سنوات حياتك، كنتِ تعيشينها بشكل خاطئ، كل شيء كان خطأ. فكيف ستعترفين أمام نفسكِ أنكِ مخطئة وخسرتِ كل شيء وتخسرين المزيد؟ نعم، وتقبل الخسارة. ولكن أحياناً، أنا الآن أحمد الله. وأنا قادم إلى هذا البودكاست كنت أفكر في أمر، أحمد الله أنني كنت مندفعاً ودخلت في مشاكل أغلبها لا أستطيع ذكرها على اليوتيوب. ممكن، أنا لدي قناة يوتيوب كما تعرفين، لأن فيها مشاكل قانونية، وفيها أمور خاصة، وأمور أخرى. أحكي أشياء كثيرة والناس تعتقد أنني صريح، وأنا فعلاً صريح، لكن هناك مشاكل لا أستطيع الحديث عنها بعد. لكنني، كما يقول إخواننا في السعودية، “جبت العيد”، بل “جلبت الأعياد” وليس عيداً واحداً. لقد ارتكبت مشاكل كبيرة جداً لدرجة أنه خلاص، لم يعد بإمكانك أن تنكر. وصلت لمرحلة من المشاكل التي حدثت معي أنني كنت أشرب الكحول أو آخذ المواد التي آخذها دون أي تأثير، مهما رفعت الجرعة، من شدة ألم المصيبة التي ارتكبتها. فاضطررت، اضطررت أن أنكشف. فأحياناً أحمد الله أنني غصت عميقاً.

د. أماني الفرجات: لو أردت أن أرجعك إلى أول مرة أخذت فيها أي مادة أو جربت مادة، ما هي تلك المادة؟ وماذا كان شعورك؟ وهل كنت وحدك أم مع أناس؟

سعد المحمود: حسناً، سأخبرك عن أول مرة شعرت فيها أنني جربت مادة وأحببتها حقاً، وبدا واضحاً أنني سأتعلق بها، والتي كانت بداية رحلة الإدمان الحقيقية. لأنه قبلها، أنا جربت الكحول، كنت أشرب، ولكن يعني… أنا أصلاً دخلت بعدها في تجربة المواد لأنني كنت أريد التخلص من الكحول، لم أكن أحبه. فالبداية كانت إساءة استخدام الكحول أولاً أو بكميات كبيرة. الكحول كان أولها، مئة بالمئة. فكنت عندما أشرب، لا أشرب كأساً أو كأسين وأشعر بالاسترخاء، لا، بل “أنعمي” كما نقول بلهجتنا، أي أشرب حتى الثمالة. هذا الشيء أتعبني، أتعب جسدي. فكنت أحب ذلك الجو، ولكن لم يكن لدي حد. أقول: “أنا اليوم سآتي وأشرب”، حسناً، “لكن سأشرب كأسين أو ثلاثة، أريد أن أصبح رجلاً، سأشرب كأسين أو ثلاثة”، على أساس أن أصحابي كانوا يقولون لي: “أنت لا تعرف كيف تشرب، يجب أن تتعلم”. أشرب كأسين أو ثلاثة، فأفقد القدرة على التحكم، فأشرب بزيادة، فيأتيني في اليوم التالي صداع ما بعد الثمالة فأتعب. فقلت أريد أن أبحث عن حل، يعني أريد أن آخذ شيئاً يريحني ولكن دون أن يسبب لي هذه المشاكل. فكنت أبحث عن تلك النشوة. فمرة، أحد الشباب، الله يذكره بالخير، قال لي: “تعال، لقد وجدت لك الحل”. أعطاني حبة ليريكا، وقال لي: “هذه الحبة تعطيك مفعولاً أجمل من المشروب، وفي اليوم التالي لا يوجد صداع”. هذا الكلام كان قديماً، كانت وقتها غير مدرجة على قوائم المخدرات، كنا نشتريها بدون وصفة طبية، ولم تكن معروفة في الأردن، أنا كنت خارج الأردن. حسناً؟ فقال لي: “خذها”. وأخذتها، وفعلياً استمتعت كثيراً، لكن في اليوم التالي لم يكن هناك آثار سيئة، بل على العكس، استيقظت مرتاح البال. فقلت: “خلاص، أنا وجدت الحل، هذه حبيبتي، هذا هو الشيء الذي سآخذه دائماً”. وفعلياً، بدأت المشوار في الرحلة مع هذه الحبة اللعينة، لنسميها هكذا، التي جعلتني في البداية أحبها وأحب الحياة معها. لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني بعد ذلك، أو إلى أين سأدخل، لأن البداية الحقيقية في استخدام المخدرات أو المواد كانت مع حبة الليريكا. لا أريد أن أعتبر الكحول كذلك، كونه نوعاً ما قانونياً، وكون بعض الناس يعتبرونه ليس إدماناً، مع أن إدمانه من أقوى أنواع الإدمانات. لكنني لا أعتبر نفسي مدمناً على الكحول، لم أكن أشرب يومياً، كنت أشرب في عطلة نهاية الأسبوع لتغيير الجو، لكنني كنت كارهاً له، فلم أكن أريده أصلاً، وكنت أعرف أنني لن أستمر عليه.

د. أماني الفرجات: حسناً، الكحول، ثم الليريكا، وبعد ذلك ماذا؟

سعد المحمود: بعد ذلك دخلت، يا دكتورة، غصت في كل ما تتخيلينه. يعني جربت كل شيء ما عدا الحقن، أنا أخاف من الحقن. حتى الآن عندما يأتي أحد ليسحب مني دماً، تجدينني أخاف منها. تعرفين ذلك الشعور الذي يعطيك كهربة، ليس خوفاً مرضياً (فوبيا)، ولكن… والحمد لله طبعاً، ربما ونحن صغار، أتذكر، أحضروا لنا حملة توعية عن الهيروين وحقن الهيروين، وأحضروا لنا أشياء أخافتني. فكأن عقلي تبرمج عليها وأنا طفل في الثامنة أو التاسعة من عمري: “حقنة! لا للمخدرات”. وكانت الحملة هكذا، لا أعرف إن كنتِ تتذكرينها “قل لا للمخدرات”. المهم، جربت كل شيء. دخلت من الكبتاجون، للترامادول، للكبتاجون، للإكستاسي، للـ MDMA، للكوكايين، للكريستال ميث. الحمد لله، في أيامنا لم يكن الكريستال ميث منتشراً، وإلا ربما لم نكن لنجلس هذه الجلسة الآن. الحمد لله، لأنكِ بالتأكيد تعرفين أن الكريستال ميث قد يأخذك إلى مكان تفقد فيه عقلك. والحمد لله أنني كنت أخاف من الحقن، وإلا كان من الممكن أن أموت بجرعة زائدة، مع أنه أتاني أكثر من مرة تسمم كحولي، وأتتني جرعة زائدة أكثر من مرة عندما كنت أخلط الكحول مع مواد مثل الـ MDMA أو الإكستاسي، وكانت تحدث لي مشاكل أحياناً، قد نتحدث عنها لاحقاً إذا أردتِ.

د. أماني الفرجات: هل كانت هناك لحظات أو أفكار معينة تجعل موضوع الإدمان جذاباً أو محبذاً لك، أو تدفعك لتقول: “هيا، سأبقى في هذا الطريق، لا أريد أن أتوقف”؟

سعد المحمود: والله لم تكن الأفكار وحدها. يعني إذا نظرتِ حولنا إلى الأفلام مثلاً، تجدين رجل الأعمال الخطير والناجح يسحب خطين من الكوكايين ويسترخي، وأغلب الأفلام لا تظهر لك أنه في النهاية كانت عاقبته وخيمة. فيتبرمج عقلك، لأنك صغير ومراهق، على ربط الكوكايين بالنجاح والأعمال. هكذا تبدأ بالتفكير. الآن على الانستغرام أيضاً، يريك أشياء أخرى تحاول ربطها. أغاني الراب، نحن مثلاً تربينا في جيلنا، أتوقع أنا وأنتِ من جيل قريب، تربينا على جيل الراب، سنوب دوغ، تو باك، لا أعرف إن كنتِ تتذكرينهم أو لكِ علاقة بهذه الأغاني. لكنهم كانوا يظهرون لك أن تدخين الحشيش يجعلك قوياً، إذا كنت تدخن الحشيش فأنت قوي جداً. حتى على فكرة، لو عدتِ بالزمن إلى جيل أبي وأبيك، كان الأطباء يقومون بإعلانات للسجائر. هل تعلمين أن طبيباً كان يقوم بإعلان في الطائرة في السبعينيات للسجائر (النيكوتين العادي)؟ ومع الزمن اكتشفوا أن هناك مشاكل. نفس الشيء الحشيش الآن، يكتشفون أن فيه مشاكل، فشويئاً فشيئاً أعتقد أنهم سيبدأون بإزالته من الأغاني، مع أن أمريكا مشكلتها أنها تعتمد على الرأسمالية، فأي شيء يجلب المال قد يسمحون به. لكن لنرجع لموضوع الأفكار، فلاحظي كيف أن هذه الأشياء تبرمج عقل المرء. يرى الحفلات، يرى السهر، يرى المشروبات الكحولية، فيشعر أنه “آه، لكي أصبح ناجحاً…”، هو لا يعرف أن هناك عملاً جاداً ومتعباً يجب أن يقوم به، لا، يقول: “ممكن أن آخذ خط كوكايين فأسترخي وأصبح ذكياً جداً”. بين الفتيات منتشر لديهن الليريكا كثيراً، تقول: “أنا آخذ الليريكا فأصبح ماهرة في عملي، أواجه المجتمع، أواجه أهلي، أعرف كيف أتفاهم معهم”. وقيسي على ذلك أموراً كثيرة. فهي ليست مجرد أفكار، بل أفكار مجتمعية، انستغرام، وسائل تواصل اجتماعي، أغاني، أفلام، مجتمع، أصحاب أيضاً، بالتأكيد، فالأصحاب أيضاً تربوا في نفس الجيل، فهم مبرمجون على نفس البرمجة وتجذبنا نفس الأشياء المشتركة.

د. أماني الفرجات: في تلك اللحظة، هل كنت قادراً على ملاحظة أي تغيرات في شكلك، جسمك، علاقاتك، مع أهلك، حتى مع زوجتك؟ هل حدثت أي تغيرات؟

سعد المحمود: بالتأكيد طبعاً. في البداية لا تحدث تغيرات، وقد تكون التغيرات إيجابية في الأشهر الأولى. على سبيل المثال، كثير من الناس يدخنون الحشيش في البداية وتشعرين أنه أصبح مبدعاً، إذا كان يرسم يصبح أفضل. أنا أحب أن أتحدث بصراحة حتى لا يأتي شخص ويقول: “لا، أنا مثلاً جربت”، ويكون لا يزال في بداياته ويقول: “ليس لدي مشاكل، أموري على ما يرام”. يكون في الأشهر الأولى، نحن نسميها فترة “شهر العسل للتعاطي”. فهو يكون في “شهر العسل” ويعتقد أن الوضع كله هكذا، ولا يعرف ما الذي ينتظره بعد “شهر العسل”. الذي ينتظره هو، كما قلنا، أنه سيعود إلى طبيعته، ثم يصبح يستخدم أو يتعاطى فقط ليصبح طبيعياً. لكن الأسوأ من ذلك أنه بعد فترة يصبح يتعاطى فقط لكي لا يكتئب. يعني بمجرد أن ينتهي مفعول الشيء الذي يأخذه، يبدأ بالاكتئاب. فيبدأ بالبحث عن مواد أخرى، ويبحث عن أشياء أكثر وأكثر. وهنا تبدأ المشكلة. لكن في البداية قد يعطيك شيئاً إيجابياً في الأشهر الأولى. طبعاً، هناك مواد تأثيرها أسرع، مثل الكريستال ميث، يعطيك شعوراً إيجابياً في الأسبوع الأول ثم تبدأ برؤية المشاكل. سبحان الله، كلما كانت المادة أقوى على الجسم، يكون تأثيرها أقوى على العقل أيضاً، وبالتالي تفقد السيطرة بشكل أسرع. على سبيل المثال، أنا لدي… واحدة من الأشياء التي أتحدث عنها دائماً هي أنني تعاطيت وأفرطت. أخبرتك أنني من النوع الذي لديه اندفاعية عالية، فأدخل ولا أخاف. حتى الآن هذه الشخصية موجودة لدي، لكنني أحاول توظيفها في المكان الصحيح. لكن كنت أرى أصحاباً لي، منهم من يكون هادئاً أو، كما نسميه نحن، “مسيطراً”، قادراً على ضبط أموره، يدخن الحشيش فقط لمدة عشر أو اثنتي عشرة أو خمس عشرة سنة. فبعد أن تعافيت، كنت أنظر إليهم وأقول: “يا أخي، ربما الحشيش مختلف”. كنت أسأل نفسي هذا السؤال، إلى أن رأيت ما حدث لهم. فالفكرة فقط أن الحشيش يأخذ مدة أطول لأنه أخف قليلاً على الجسم والإنسان يستطيع أن يؤدي وظائفه، يستطيع الذهاب إلى عمله، يستطيع تسيير أموره. نفس الشيء المشروبات الكحولية على فكرة. الأبحاث العلمية الآن، حتى في أمريكا، كانت تقول في الماضي إن شرب القليل كل يوم قد يساعد في تخفيف ضغط الجسم وبالتالي يقلل أمراض القلب. وهذه الدراسة فعلياً استمرت لعقود، عقد أو عقدين (عشر أو عشرين سنة). الآن، بعد أن أكملوا الدراسة نفسها أو بعد أن أجروا دراسات أخرى مطولة، وجدوا أن تأثيرها على الدماغ مشكلة، يسبب الزهايمر وأمراضاً أخرى. ففهموا أنه، حسناً، لن أموت من أمراض القلب أو ستقل نسبتها، ولكن انظروا، ستأتيني أمراض أخرى. وفعلياً، لو نظرنا إلى صورة دماغ شخص يتعاطى وشخص لا يتعاطى، الفرق كبير جداً، مئة بالمئة. حتى الذي يشرب الكحول، ولو كان يشرب شيئاً خفيفاً، مثلاً يشرب فقط في عطلة نهاية الأسبوع ولا يفرط مثلي، لكن على مدى عشرين أو خمس وعشرين أو ثلاثين سنة، يتأثر دماغه. فالمفعول التراكمي، وهذا أسوأ شيء على فكرة، في الناس الذين نسميهم “مسيطرين” أو يأخذون على قدهم، على المدى الطويل لن يلاحظوا أن لديهم مشكلة. يعني شخص مثلي، كما سألتني: “ماذا حدث معك؟ كيف انتبهت أن لديك مشكلة؟”، لقد تسببت بكارثة، فالأمر واضح. ماذا أكثر من ذلك؟ سأموت. يعني لم يتبقَ لي سوى أن أموت، أو أن أعترف وأتعافى. لكن الأشخاص الذين ما زالوا ناجحين في حياتهم، في أعمالهم وغيرها، يبدأ بعد عشرين أو خمس وعشرين سنة بالاكتئاب، ممكن أن تصبح لديه مشاكل في العلاقات الاجتماعية، ينعزل، يتغير تفكيره، ممكن حتى أن يلحد. كل واحد يأتيه التأثير بطريقة مختلفة على دماغه.

د. أماني الفرجات: كنت تتحدث عن المراحل، أول مرحلة هي “شهر العسل” كما كنا نتحدث، ما هي بقية المراحل؟

سعد المحمود: حسناً، في “شهر العسل” أنت تكون تتعاطى ومبسوط، وتعتبر نفسك اكتشفت اكتشافاً. أتذكرين عندما أخبرتك عن حبة الليريكا وكيف اكتشفتها؟ كمن وجد شريكة حياته، وجد الشيء الذي كان يبحث عنه. لكن هنا، وكما أخبرتك، تختلف المدة حسب المادة. بعد ذلك، تأتيك مرحلة “العادة”، لنسميها هكذا. أنا أتعاطى فقط لأكون طبيعياً، فقط لأذهب إلى عملي، لأستيقظ من النوم، لأعرف كيف أنام. مشاعرك هنا ليست كئيبة ولا سعيدة، أنت عادي. لكن إذا لم تأخذ الجرعة، تشعر أن هناك شيئاً ناقصاً. وهذه أيضاً تختلف حسب المادة. ثم نذهب إلى المرحلة الصعبة، المرحلة الكئيبة. هنا أنت تتعاطى لأنك مكتئب، فقط لتخفف من اكتئابك. هنا تبدأ بالبحث عن مواد أخرى حتى تشفي أو تخفف من القلق والخوف الذي لديك أو الكآبة. هنا تبدأ المشاكل بالظهور لديك. بعد ذلك، المرحلة الأخيرة التي دخلت فيها، وكثير من الناس لا يصلون إليها، وإن شاء الله لا أحد يصلها، هي صعبة، وهي “القاع”، الاصطدام بالقاع. هنا تحدث المصائب: جرعة زائدة، تخسر أناساً تحبهم. مثلاً أنا خسرت زواجي عندما سألتِني عنه، لأكمل جوابي على سؤالك عندما أثر على علاقاتي. بصراحة، أنا مثلاً كنت أخون زوجتي الأولى، وعندما كشفتني وأمسكت بي، لم أستطع مواجهتها، فطلقتها.

د. أماني الفرجات: ربما حتى سلوك الخيانة لم تستطع السيطرة عليه؟

سعد المحمود: صحيح. كنت أستيقظ كل يوم وأقول: “خلاص، لن أكرر هذه الخيانة”، وتشعر أن شيئاً ما يسيطر عليك بزيادة في مثل هذه المراحل. طبعاً، كنت أستيقظ كل صباح وأقول: “لماذا أنا هكذا؟ أنا لست هكذا، الفتاة جيدة، لماذا أفعل معها هكذا؟ وأنا كسعد لست هكذا”. فأقول سأتوقف. ثم أعود لأتعاطى، فيصبح الأمر محفزاً، أرى الشخص، يحدث الموقف مرة أخرى، فأعود وأكرر الفعل. فأكون عالقاً في هذه الدائرة من الجحيم، يسمونها “حلقة الجحيم”. فتصبح بعد ذلك لا تعرف كيف تتصرف، فتجعلك تخسر أشياء. هذه هي مرحلة القاع. تبدأ بخسارة عملك، أموالك، ثقة الناس الذين يحبونك، مثل أهلك. تجرح أناساً. مثلاً أنا، مثل تلك الإنسانة، الحمد لله لم يكن لدي أطفال وقتها، وأنا لم أكن أرغب في إنجاب أطفال. الشيء الوحيد الصحيح الذي فعلته وأنا مدمن هو أنني لم أكن أريد إنجاب أطفال. هذا الشيء ساعدني على الأقل أن أنفصل بسرعة، لأنني لم أكن أريد أن أظلم تلك الإنسانة، لأنني لم أكن أعرف كيف سأتعافى، أو هل سأتعافى أم لا. وكان كل تركيزك على المادة فقط. على فكرة، تفقد الاهتمام بأي شيء آخر. المادة، المتعة، تبحث عن أي متعة غريزية. أريد أن آكل أكثر في الليل، أريد، معذرة، أن أدخل في علاقات أكثر. أبحث عن المتعة، هل من مزيد من الدوبامين أو السيروتونين؟ فأنا لم تعد تكفيني حتى المواد أو المخدرات أو الأدوية. تريد كحولاً، تريد حشيشاً، تريد علاقات، تريد أن تبحث عن أي شيء يزيد عندك.

د. أماني الفرجات: لو أردت أن أرجعك بالزمن إلى الوراء، في منتصف طريق الإدمان أو حتى في بدايته، ما النصيحة التي تنصح بها نفسك؟

سعد المحمود: والله أحياناً… لا أعرف، الواحد يحمد الله على كل شيء. أحياناً، هناك فيلسوف روسي يقول كلمة من الكلمات الجميلة: “اللهم لا تحرمني معاناتي”. فأحياناً المعاناة بصراحة تخلق من الإنسان شيئاً جديداً. فأنا الحمد لله أن روحي لم تذهب، بقيت موجودة، أنني لم أمت. لهذا السبب، عندما أنظر إلى الوراء، أندم أكثر شيء على الناس الذين آذيتهم بصراحة. إذا استطعت أن أتحدث مع نفسي… بصراحة، سأحاول أن أفهم نفسي الصغير أو المراهق الذي كان في تلك المرحلة، لكن لا أتوقع أنه سيفهم. يعني لو حاولت أن أعود إليه بعقليتي الآن، سيختلف الوضع، لكن أن أعود إليه بالعقلية التي كانت لدي، أو التي كانت لديه، كأننا نتحدث عنه كشخص ثالث، لا أتوقع أنه سيفهم. نعم، ممكن أن أنصحه أو أحاول توجيهه. واحدة من الأشياء الإيجابية التي يمكن أن نفعلها مع الأشخاص الذين يعانون في مرحلة عمرية صغيرة كهذه، لو عدت إلى نفسي، هي أن أحاول أن أضيف له عادات إيجابية. يعني بدل أن أحاول أن أجعله يتوقف أو أنصحه، لأنه عندما يكون عمره بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين، لا يزال في مرحلة المراهقة، لا يسمع كلام أبيه وأمه، يحاول أن يسمع من أصحابه. لكن إذا وجد وسط أصحاب ناجحين ومناسبين له، بمعنى أنه يبحث عن أصحاب يكونون “رائعين”، يغير معهم الجو، يستمتع معهم، ليسوا مملين. فمثلاً، أرى الشباب الذين لم يقعوا في المشاكل التي وقعت فيها، كان لديهم أصحاب رياضيون، فكانوا يفرغون طاقاتهم في الرياضة، ولكن كانوا رياضيين بحق، أي أكملوا في رياضة معينة وحاولوا الاحتراف فيها، وبالتالي رأوا نتائج جميلة، واستطاعوا أن يكونوا فخورين بأنفسهم. فأنا أركز كثيراً على موضوع الرياضة أو الأشياء الإيجابية التي تكون أيضاً جماعية، لكي تعرفك على أناس في مجال لا يكون فيه تعاطٍ، وحتى لو كان فيه، يكون شيئاً خفيفاً. ربما كنت سأنصح نفسي ألا أذهب لأدرس وحدي في الخارج، أن أكون قريباً من أهلي قليلاً. لا أعرف إن كنت سأفهم، لا أعرف. لكن أهم شيء هو أن أعتني بالناس الذين يحبونني، لأن هناك أشياء بصراحة لا تُعوَّض، وهي خسارة الثقة، أو أنني جرحت أناساً. يعني هناك أشخاص في حياتي، مثلاً أحد إخوتي أو حتى اثنين، لكن هناك واحد بالذات، لا نزال حتى الآن متصالحين وأمورنا جيدة، لكن بالتأكيد هناك شيء من الداخل لم يصلح بعد. أحد أعز أصدقائي خسرته، مع أننا تحدثنا بعد خمس سنوات من التعافي واستطعت أن أصالحه، لكن مع ذلك لم يصلح الأمر. الإنسانة التي جرحتها، التي كانت طليقتي، وأبي وأمي طبعاً، وخاصة أبي، عانى كثيراً، دخل في اكتئاب لسنوات بسبب المشاكل التي سببتها، ليس فقط الإدمان. فهؤلاء مهما حاولت أن أعوضهم، ليس هناك سوى رب العالمين ليساعدني على إكمال التعويض، ويساعدني على أن أسامح. أنا قدرت، الحمد لله، أن أعمل على نفسي وأسامح حالي لكي أمضي في التعافي، لكن أتمنى أيضاً أن يكونوا قد سامحوا. هم يقولون إنهم سامحوا، لكن أتمنى أن يعطيهم الله من داخلهم الشعور بالرضا والسعادة من ناحيتي.

د. أماني الفرجات: تماماً يا رب. طيب سعد، متى قلت: “خلص، يجب أن أتوقف”؟ متى قلت: “أريد أن أتعافى وأوقف كل هذه الأمور”؟

سعد المحمود: طبعاً، كثيراً ما قلت إني أريد أن أتوقف، كثيراً. يعني لنتحدث عن الكحول مثلاً. صحيح أنني عدت لك بالقصة بعد أن دخلت في الليريكا، أنا أوقفت الكحول، استمتعت لشهرين، لكنني عدت وصرت أشرب الكحول مع كل شيء آخذه. فالمسألة أصبحت أنني لم أقع في مشكلة واحدة، بل أصبحنا في مشكلتين، ثم دخلنا في ثلاث وأربع. لكن كثيراً ما قلت: “أنا سأتوقف عن الكحول، سأتوقف عنه”، والله ربما فوق الألف مرة. حتى زوجتي السابقة قالت لي: “أنت ستموت مدمناً على الكحول، لا أمل منك”، تقريباً، من كثرة ما عانت وهي تحملني، ومشاكلي، وكم حاولت، وكم عانت معي، لدرجة أنني فعلياً توقعت أنني لن أخرج. يعني كنت فقط أتصور: “هل سيأتي يوم معقول لا أشرب فيه كحولاً؟”. كنت أتمنى ذلك، لكن فقط أتمنى أن أصدق الفكرة، لا أن أخرج منها.

د. أماني الفرجات: كأنك كنت تراه جزءاً من شخصيتك وهويتك، شيئاً أساسياً؟

سعد المحمود: مئة بالمئة. ولكن كأنني أيضاً وقعت في حفرة ولا أستطيع الخروج، وهي مغلقة. وأحياناً أيضاً، الإنسان… أريد أن أوضح لك الأمر، حتى يتابعه المشاهدون، كأن الجهاز العصبي، تشعر أن جسدك نفسه يطلب، لم يعد هناك مجال لأن أقرر نعم أو لا. سأقول لك، الدماغ يجب أن يعطيك بعض الأمل لكي تقوم وتتحرك وتعمل، ثم ترى أنت نتائج، فتثبت لنفسك أن الأمل والشيء الذي فعلته صحيح. ثم ترى نتائج فتكمل، فيزيد الأمل، فتكمل، فيزيد الأمل، وتتعافى. الآن، مشكلة المدمن، من أين سيأتي بالأمل إذا كان دماغه مدمراً؟ كشخص يقول لك إن عليه قروضاً وديوناً وحالته سيئة، لكنه يحتاج إلى رأس مال ليتمكن من بناء شيء يسدد به ديونه. من أين سيأتي برأس المال؟ هذه هي المصيبة التي يكون عالقاً فيها. رأس المال قد تحصل عليه من شخص تحبه، لكن الأمل، من أين ستحصل عليه؟ لهذا السبب، رسالتنا هي رسالة أمل. نحن نأتي ونتحدث عن قصتنا فقط لكي يعرف من يسمعنا أن هناك مجالاً للخروج. والأهم من ذلك، الله، عندما تكون في ذروة المشكلة، لن يساعدك أحد، لا أبوك ولا أمك ولا إخوتك. أنت ورب العالمين، إذا قلت: “يا رب”، فإنه يعطيك القوة والأمل الذي أصبح دماغك الآن غير قادر على إنتاجه. فتجد نفسك في قلب المحنة قادراً على الدفع، على أن تمشي، أن تقوم، أن تعمل.

د. أماني الفرجات: والفكرة أيضاً أنه يكون يرى أناساً مروا بالفعل أو وقعوا في هذه الحفرة وخرجوا منها، فليس الأمر أن شخصاً ينظّر عليهم، لا، بل شخص جرب بالفعل.

سعد المحمود: ما هو أيضاً، رسائل الله لن تأتيك… لم يعد هناك وحي، انتهى الأمر، لن يأتِ رسل جدد، هكذا نؤمن. فعندما تطلب من رب العالمين، يبدأ بإعطائك القوة، لكنه يبدأ بإرسال رسائل لك: تقرأ شيئاً في كتاب، تشاهد فيديو كهذا، ترى شخصاً ما، تبدأ بالاستماع. تخيلي ماذا حدث معي. هنا في الأردن، أول مرة في حياتي أستعين بمدرب رياضة شخصي، يعني أدفع مالاً لكي أتدرب، لأنني في العادة كان أصحابي يدربونني أو ما شابه، ثم انقطعت عن الرياضة كلها بالتأكيد مع رحلة الإدمان، أي رياضة نتحدث عنها! المهم، لكن أول ما فكرت بالعودة، لأن وزني زاد كثيراً، كان وزني الطبيعي الآن 85 أو 86، هناك وصل إلى 100. يعني زاد وزني بشكل كبير.

د. أماني الفرجات: لأن عاداتك تغيرت أيضاً، الأكل وهذه الأمور.

سعد المحمود: هذه الأشياء تفتح شهيتك على الأكل، أكل سيء، شرب، أكل. فالذي حدث أنني أول مرة في حياتي أريد فعلاً أن أتوقف، وهذا الموقف الذي سألتني عنه سأحكيه، هو الذي قررت فيه حقاً. استعنت بمدرب. المدرب، من بين كل مدربي العالم، طلع أنه مدمن سابق (ex-addict). فتخيلي الصدفة. هو لا يتحدث عن نفسه، وطلب مني ألا أذكر اسمه أبداً في أي مكان. لكن من بين كل العالم، طلع أن لديه تجربة وساعدني. فشاهدي كيف الإنسان… كنت أنا في الخارج، لا أقيم في الأردن، ثم انتقلت إلى الأردن وفكرت في التعافي، فقلت سألعب رياضة. استعنت بمدرب، فطلع بالصدفة أنه مدمن سابق. يعني ليست صدفة، أنا لا أؤمن بالصدفة، هذا رب العالمين ييسر لك الأمور لكي تفكر في التغيير، فلا تقول: “يا…”. تجد الأمور مهيأة. لكن الموقف الذي سأذكره، هو أكثر موقف… أنا لدي كتاب مجاني على موقعي، موجود في قناتي على اليوتيوب، اسمه “ذكريات مدمن”، هو عبارة عن عشرة مواقف بدأت تغير حياتي. لأن المدمن أحياناً يمر بمشكلة تلو الأخرى، حتى تأتي المشكلة التي تكون، كما يقال، “الشعرة التي قصمت ظهر البعير”. فأنا تلك الشعرة… كنت هنا في عمان، جاء أخي وأعز أصحابي أيضاً من الخارج ليزوروني في عيد ميلادي، عاملين لي مفاجأة. وأنا في اليوم السابق كنت قد أثقلت على نفسي، أخذت ربما خمسة أنواع من المواد، فاستيقظت متعباً، متعباً، ومهما كنت آخذ، لم يكن الأمر يفلح معي. لا أريد أن أعدد المواد لكي لا نكررها، لكن الفكرة أنني استيقظت صباحاً، جاؤوا ودقوا الباب، مفاجأة. نظرت إليهم، لم أكن قادراً على الفرح، لم أكن قادراً على الضحك. أعز الناس جاؤوا خصيصاً من أجلي وأخذوا إجازة ليفاجئوني، وأنا لم أكن أطيقهم. وصلت إلى مرحلة أنهم لاحظوا أنني لا أطيقهم، لكنني لم أكن أقصد ذلك. فدخلت إلى غرفتي، أغلقت الباب، نظرت في مرآة هناك لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة، غسلت وجهي وقلت: “أنا خلاص، سأفعل أي شيء”. وقتها كان ذلك الشاب، المدرب، معي، وكان قد أعطاني بعض النصائح لأقوم بها، فقررت أن أبدأ بجد. وأول شيء كان أن أخرج من المكان الذي أنا فيه، أغير بيتي، أغير كل شيء، وأبدأ بداية حقيقية. ضحيت ببعض الأشياء، لأنني كنت وقتها قد بدأت بمشروع، وكان يجب أن أضحي بالمشروع لأنه لم يكن بإمكاني… في مرحلة ما، كان يجب أن أعمل على نفسي، لا أستطيع أن أذهب للعمل كل يوم، لدي مشاكل وكذا، والمشروع الذي كان لدي كان مرتبطاً بعض الشيء بالتعاطي، أو الناس فيه، أو البيئة. فأخذت تلك الخطوة، وهذا كان الموقف، البداية التي أتذكرها دائماً، بداية البداية، لنسميها هكذا.

د. أماني الفرجات: ممكن أن يأتي أناس ويسألونك: “هل تعافيت مئة بالمئة؟” أو بمعنى آخر، قد يسألونك: “هل تحن للمواد أو تشتاق لشيء منها؟ وهل فعلاً إذا كنت تشتاق، كيف تتعامل مع هذا الاشتياق؟”.

سعد المحمود: الآن، في البداية طبعاً، في المرحلة الأولى بالتأكيد الواحد يشتاق. يسمونها مرحلة أعراض الانسحاب، وبعدها حتى هناك مرحلة نفسية، تكون الذكريات موجودة، مربوطة بالسلوكيات، فتحتاج وقتاً حتى يذهب الاشتياق. لكن أنا الآن مثلاً، في السنة السابعة من التعافي، آخر مرة تعاطيت فيها كانت في 3 أكتوبر 2018. نحن نتذكر الأيام والتواريخ، لماذا؟ لأنه تمر علينا أيام صعبة بعدها. فأنا مثلاً، كانت هناك سبعة أشهر صعبة جداً بعد أن خرجت، لكن بعدها إذا أتاني مرة أو مرتين أو ثلاث محفز أو اشتياق، كان بسبب مشكلة كبيرة جداً. لكن أصلاً أهم شيء في التعافي… الآن، نحن لدينا نوعان، نسمي واحداً “امتنع” وواحداً “اقتنع”. الذي امتنع هو شعر بالخطر والضرر وتركها، لكنه ليس راضياً، ليس سعيداً بدونها، ليس قادراً. هو يعرف مضارها، فابتعد. قد لا يعود إليها، لكنه غير قادر على عيش الحياة بسعادة. هذا قد يأتيه ظرف قوي جداً، وفاة شخص عزيز أو ما شابه، قد يرجعه للاستخدام مرة أخرى. هذا هو الفرق، هذا الذي امتنع. أما الذي اقتنع وتعافى، فهو وجد السعادة بدون المواد. فالذي يجد السعادة… أنا الآن مثلاً، بعد التعافي، ظللت أعمل على نفسي، حتى من كل النواحي، يجب أن تعمل على كل شيء. فصرت سعيداً، سعيداً حقاً من قلبي. فعندما تحدث لي مشاكل، أستحضر تلك الأيام، أنني بدون مال، بدون مشاكل، بدون شيء، استطعت أن أسعد نفسي. طبعاً بالتأكيد هناك طرق، هناك روتين معين تمشي عليه. لكن في بعض اللحظات، اشتقت أو صار لدي محفز، لماذا؟ لأن ألمي كان قوياً جداً، لم أكن قادراً على الهروب منه. ربما كانت ثلاثة أو أربعة مواقف فقط مرت علي في السبع سنوات، لكنني سيطرت على الموضوع بسهولة. كان هناك موقف قوي جداً لم أستطع السيطرة عليه، وكان قبل عرسي بيوم، حدثت مشكلة، وكانت القصة ستفشل، المشكلة كانت ستجعل عرسي يفشل. فكان الأمر قوياً جداً. ماذا فعلت؟ أغلقت هاتفي، أصحابي كانوا قد جاؤوا إلي وأقاموا لي حفلة قبل الزفاف بيوم، وضعت رأسي ونمت. استيقظت صباحاً، ذهبت إلى البحر، تمشيت، ركضت، صليت، ومضى اليوم، وانتهى العرس، وسارت الأمور. فأحياناً أنتن الفتيات قد ترين العرس جميلاً جداً، لكن الشاب يكون لديه مشاكل خلف الكواليس يعيشها، ومن الضغوطات. هذه كانت إحدى المرات التي شعرت فيها بمحفز للشرب، فقط لأخفف التوتر. لكنني تصرفت في الموضوع فوراً. فيصبح الأمر أنك عندما تقع في مصيبة كبيرة، إذا كنت تعرف كيف تسعد نفسك وظللت متذكراً الخسائر، تعرف كيف تتعامل. لكن للأسف، الناس الذين لا يتعافون بشكل صحيح، يظلون يعانون ويعانون وغير سعداء. فأنا أي شخص يأتيني ويقول لي: “أنا متعافٍ”، أجلس معه ساعة زمن، ساعة أو ساعة ونصف، أستطيع أن أعرف إذا كان قد تعافى حقاً أم لا. يظهر عليه، صحته تتحسن، تجدين أن الكثيرين أقلعوا عن تدخين السجائر العادية، أنا كنت أدخن لتسع سنوات وأقلعت عنها. تجدينه يعني حياته بدأت تتحسن، وضعه المادي بدأ يتحسن طبعاً مع السنوات. فهذا دليل. أنا دائماً أقول للشباب… الآن أنتِ كدكتورة مختصة في المجال، هناك شيء جديد الآن اسمه علم النفس الإيجابي (Positive Psychology). ما هي فكرة علم النفس الإيجابي عن العلاج النفسي (Therapy)؟ في العلاج النفسي، تتحدث عن الماضي وعن الحاضر، كيف أساعدك. علم النفس الإيجابي يجعلك تفكر: “أنا أريد أن أخطط للمستقبل وأعيشه وأطبقه بشكل عملي، على أساس ألا أفكر في الواقع أصلاً”. بمعنى، المتعافي إذا ظل يفكر: “أنا سأنتكس، لن أنتكس”، وخائف، كأنه كان في السالب ووصل إلى نقطة الصفر. لكن إذا نقل نفسه من الصفر إلى الموجب بإنجازاته وبحياته، فهو أصلاً عندما يبدأ بالنزول، يبدأ بالانتباه لنفسه. أنا أستخدم هذه القاعدة. حسناً، أنا مثلاً أعمل على حياتي: صحتي، عائلتي، عملي، علاقتي مع الله. عندما أشعر أن مشاعر غير جيدة بدأت تأتيني، كآبة، قلق، أشياء كهذه، لا، قبل أن أفكر أصلاً، أقول: “تعال يا سعد، ماذا تفعل؟ نومك ليس مضبوطاً، هل هناك مشكلة معينة؟ هل مثلاً أفرطت في الأكل في اليومين الأخيرين؟ هل توقفت عن الذهاب إلى النادي؟ هل مثلاً تصلي وأنت غير مركز؟ طيب، ما مشكلتك؟ ما الذي يضايقك؟”. فأحل المشاكل أولاً بأول. فلا أنتظر حتى أصل إلى الصفر لأصبح خائفاً من النزول إلى السالب والعودة للتعاطي. لا، عندما يبدأ الموجب يقل، أقول: “تعال، لديك مشكلة”. لهذا السبب، أنا أحب موضوع علم النفس الإيجابي، أحب ألا أفكر كثيراً في الماضي، مع أنه يجب على المرء أن يفهم ماضيه، وبالتأكيد فكرت فيه من قبل وحللته قدر الإمكان. هناك مشاكل حلتها، وهناك مشاكل لا أزال أعمل على حلها، تحتاج وقتاً، بعد سبع سنوات، وهي بعض الأمور التي ذكرتها لك عن الناس الذين جرحتهم. لكن هذه فلسفتي في الحياة، أنه لماذا ترضى أن تعيش حياة عادية وتكون غير سعيد؟ لا، ابحث عن السعادة، هي موجودة. لدي قناعة بأن السعادة موجودة في أشياء كثيرة، لكننا نبحث عنها أحياناً في زاوية واحدة ولا نعرف كيف نجد المكان الصحيح.

د. أماني الفرجات: أو نريدها بطرق سريعة.

سعد المحمود: بالضبط، طرق سريعة، أو حتى بسبب جهلنا، نكون جاهلين، نعتقد أننا نعرف هذا الشيء فقط. أنا الآن صرت مثلاً أجرب أي شيء، ليس مواداً كما في السابق، بل أجرب أي شيء. مثلاً اليوغا للفتيات، “لا، طيب، أريد أن أجربها، أريد أن أرى ما هو الشعور الذي تعطيه”، مع أننا نحن الشباب العرب نقول: “يوغا! وماذا تريد بها؟”. هناك شيء اسمه بيلاتس للفتيات، أريد أن أجربه، أريد أن أرى ماذا يفعل. هل سأجد فيه متعة معينة؟ طبعاً لم أحب البيلاتس كثيراً، لكنني أحببت اليوغا مثلاً، لكنني وجدتها بالتأكيد فيها جانب أنثوي بعض الشيء. لكن أقصد التجربة أحياناً في أشياء بسيطة. جرب أن تسافر إلى بلد جديد، جرب أن تأخذ مجازفة محسوبة مرة في عملك. هذه الأمور… جرب أن تفتح قناة يوتيوب، أن تعمل بودكاست، خذ تجارب في الحياة.

د. أماني الفرجات: بالضبط، هذه الأشياء قد تعطيك دوبامين.

سعد المحمود: مثلاً، صناعة المحتوى تعطيني دوبامين أفضل من مليون مخدر. لأنه كلما عملت فيديو وشعرت أنه ينجح، أو كلما عملت شيئاً وشعرت أن الناس يحبونه ويستفيدون منه، يأتيك دوبامين، لكن هذا دوبامين حلال، طبيعي، كما نقول.

د. أماني الفرجات: هي بدائل، هناك بدائل كثيرة صحية أكثر مما نتصور.

سعد المحمود: بالضبط، أنا مع هذه البدائل التي ذكرتها باختصار، أو التي جربتها. نحن لا نعرف شيئاً عن الدنيا وما فيها من أمور. سبحان الله، هي بحر، وكلما تعلم المرء، عرف كم هو لا يعرف أصلاً.

د. أماني الفرجات: كنت تخبرني أنه خلال مرحلة التعافي، كم مررت بمطبات وكم كان هناك ألم أيضاً، لكن بالتأكيد الألم في تلك الفترة كان لفترة، وبعد أن أكملت التعافي زال الألم، فكان هناك راحة. طيب، أثناء فترة التعافي، أتخيل أنك مررت بمحطات قلت فيها: “خلص، سأرجع للإدمان، ربما أسهل لي لو بقيت مدمناً أو أوقفت التعافي”. ما الشيء الذي جعلك تقول: “لا، أريد أن أكمل في التعافي”؟

سعد المحمود: طبعاً، الناس الذين يتابعونني أو يشاهدونني على اليوتيوب يعتقدون أن سعد “سوبرمان”، أنه فكر في التعافي فتعافى وانتهى الأمر. القرار ليس سهلاً على الإطلاق. كانت هناك معاناة استمرت ثلاث سنوات وثمانية أشهر وأنا أحاول الخروج. غيرت البلد الذي كنت فيه أكثر من مرة.

د. أماني الفرجات: وأتخيل أنه كانت هناك انتكاسات.

سعد المحمود: طبعاً، والانتكاسات شيء طبيعي على فكرة، من الضروري أن نتحدث عنها. لكن الانتكاسات التي دخلت فيها كانت خطيرة. يعني عندما تكون منقطعاً لفترة وتنتكس، تبدأ بالشعور بالذنب أكثر.

د. أماني الفرجات: صحيح، وقد يجعلك هذا تشعر بالفشل أكثر أيضاً.

سعد المحمود: طبعاً. أنا فترة التعافي بصراحة… لهذا السبب أنا أفضل عندما يأتي شخص ليتعافى، أن يتواصل مع أناس مختصين مثلكِ ومثل الأماكن والأطباء، لأنه بصراحة، أنا الحمد لله أنني على قيد الحياة. بمعنى، الفترة التي كنت أتعامل فيها، لنتحدث عن ثلاث سنوات وثمانية أشهر، لكن فترة التعافي الحقيقية هي السبعة أشهر الأخيرة التي نجحت معي، تخللها جرعتان زائدتان. أكون منقطعاً تماماً لثلاثة أو أربعة أشهر. مثلاً، إحدى القصص، أكون منقطعاً لثلاثة أو أربعة أشهر وأقول: “خلص، سعد تغير”، لأنني لم أكن أفهم من مختصين أشياء معينة. بمعنى، ذهبت إلى مكان مثل مهرجان موسيقي في بلد أجنبي، كان يجب أن أذهب لأن عملي القديم كان مربوطاً به وكنت أنهي عملي الذي أخبرتك قبل قليل أنني تركته، لكنني كنت أصفيه كما نقول. فاضطررت أن أسافر وقلت: “خلاص، صار لي ثلاثة أو أربعة أشهر، ولن أعود لأغلط نفس الغلطة إن شاء الله”. المهرجان كان لثلاثة أيام، اليوم الأول لم أغلط، اليوم الثاني شربت. عندما شربت، انجررت. كيف انجررت؟ كان هناك شخص معه ماء مثل هذا، شربت من عنده، فطلع أنه مخلوط مع MDMA، مادة قوية. شربتها كلها، فوقعت على الفور، من كثرة… لأن الكحول مع مادة، ولكن المادة أيضاً كانت جرعتها عالية التي خلطها هو في الماء. لكن الجميل في المهرجان الموسيقي أنهم كانوا قد وضعوا إسعافاً في كل مكان وأناساً يراقبون، لأنهم يعرفون أن أناساً كثيرين يستخدمون هذه المواد في الحفلات ويتعاطونها. فعلى الفور أمسكوني وأخذوني إلى المستشفى. عندما استيقظت صباحاً، قالت لي الممرضة بالإنجليزية: “الله أعطاك عمراً جديداً، كانت هناك فتاة بجانبك جاءت معك بنفس سيارة الإسعاف وماتت بنفس الخلطة”. هذه من الأمور… فخرجت أمشي وقتها، كانت الدنيا حوالي السادسة فجراً، أمشي في تلك المدينة، كنت في بلجيكا، أمشي في مدينة لا أعرف أين أنا ذاهب، لكنني كنت أردد الشيء الذي قالته لي، كان يرن في رأسي مرة أخرى: “إلى متى يا سعد؟”. وأنا كنت أعتقد أنني متعافٍ لثلاثة أو أربعة أشهر، لكن فعلياً هذه كانت من المرات الأخيرة التي انتكست فيها. يعني في تلك السبعة أشهر، انتكست ثلاث مرات، هذه كانت واحدة منها، ثم الثانية، ثم توقفت. لكن لو كان معي أحد، لكان قد فهمني أنه لا يصح أن أذهب إلى هذا المكان حتى لو كنت منقطعاً لثلاثة أو أربعة أشهر، حتى لو بعد سنتين. فهناك أماكن يجب أن تتجنبها عندما تكون في مرحلة التعافي.

د. أماني الفرجات: أماكن، أشخاص، أدوات.

سعد المحمود: أماكن، أشخاص، أدوات. هذه حفظونا إياها في الزمالات أو عند المختصين. أماكن، أشخاص، أدوات، يجب ألا يذكرك بها أحد، خاصة في أول سنتين، حتى يعود دماغك للعمل بشكل جيد. وهذا لا يعني أنك بعد سنتين تعود لنفس الشيء. أصلاً إذا تغيرت بشكل صحيح، وهذه واحدة من الأشياء التي نتحدث عنها في التعافي يا دكتورة، كيف تعرف أن الشخص المدمن قد تعافى حقاً؟ هناك طبيب في السعودية، وهو طبيب نفسي، يقول: “أنا ممكن أن أزوج ابنتي لشخص مدمن سابق، لكن بشرط واحد”. ما هو الشرط؟ هو هذا، أن تتغير عقليته. يعني أول مرحلة هي إزالة السموم من الجسم (detox)، ثم يغير عاداته، يعمل على صدماته النفسية، يستقر نفسياً. بعد ذلك، هل تغيرت عقليته أم لا؟ كيف تتغير العقيلة؟ يعني أنتِ مثلاً لو جلستِ مع سعد قبل عشر سنوات، لن تعرفي أنه هو. عن جد، أنا لا أشعر أنني ذلك الإنسان، كأن شخصاً مات وخرج شخص جديد تماماً. الناس الذين يعرفونني، أصحابي، في أول فترة ظهرت فيها على اليوتيوب، اعتقدوا أنني مجنون من كثرة ما تغيرت. أنا كنت قد أفسدتها كثيراً في أيام الجاهلية، كما أسميها، أيام الإدمان. كنت قد أفسدتها لدرجة أنه إذا أردت أن تخرج إلى حفلة وتحتاج شيئاً، تتصل بي، أنا موجود، أنا أدبر لك الأمر. فأن يصبح هذا التغيير فجأة، عكسياً تماماً، استغرب الناس منه، حتى أصحابي. لكن أكبر دليل على تغيير العقلية هو أنني لم أعد أطيق أصحابي. أحبهم وكل شيء، حتى الآن، منهم من لا يزال يتعاطى بعد سبع سنوات، كل الحب والاحترام، لكنني لا أستطيع أن أجلس معه، حتى على الهاتف إذا تحدث معي لدقيقتين، لا أنسجم معه. خلاص، هناك شيء تغير تماماً. كأنكِ تتحدثين لغة وأنا أتحدث لغة أخرى.

د. أماني الفرجات: أسلوب حياة وفلسفة حياة جديدة صارت، وأقرب للصحية أكثر.

سعد المحمود: مئة بالمئة.

د. أماني الفرجات: مدى وعيك بمراحل العلاج، واحدة منها أنه تحدث أعراض انسحابية، هذا الشيء كم ساعدك؟

سعد المحمود: بصراحة، وقتما خرجت لم أكن أفهم أصلاً مراحل العلاج، ولا أعراض انسحابية، ولا أعرف ما معنى أعراض أو انسحاب، لا شيء. أنا خارج يعني خارج. وهذا جوابي على سؤالك كيف في النهاية قررت بعد كل هذا الألم أن أكمل. أخبرتك يا دكتورة، وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها شيء يعمل. يعني أنت تأخذ الحبة، تأخذ الكأس، تشرب السيجارة، على الفاضي، لم تعد تعمل. وصل جسمك إلى مرحلة يقول لك: “خلص، يكفي، لم يعد الأمر يفلح، إلى أين تريد أن تذهب أكثر من هذا؟”. فهذا الشيء جعلك تشعر أنه لا يوجد مجال. كأن البحر من أمامكم والعدو من خلفكم، لا مجال، يجب أن أواجه. فلما واجهت، لم أكن أعرف أعراض الانسحاب، ولا أعرف أي شيء عن علم النفس، ولم أكن أخطط. مرة واحدة فقط كنت أتحدث مع شخص أعرفه، قلت له: “دعني أوثق هذه المرحلة الصعبة التي أخرج منها”. يا ليتني وثقت، لم أوثقها. لم أكن أعرف أنني سأقوم بعمل قناة يوتيوب لاحقاً، لم أكن أعرف. لكنني كنت أريد أن أوثق الألم والمعاناة. لكن عندما تدخل في الألم والمعاناة، تكون قرفاناً أصلاً، لا توثق ولا تطيق أي أحد. أعراض الانسحاب الأولى أشبه بإنسان يموت ويعيش من جديد، روحك تخرج منك، تشعر بذلك. فتكون غير قادر لا على التوثيق ولا على أي شيء. فلم أكن أعرف أعراض الانسحاب، لكن الذي ساعدني، كما أخبرتك، أنني خسرت أشياء كثيرة، والمواد لم تعد تعمل، وخلاص، كان يجب علي، انكشفت أمام نفسي، كان يجب أن أكمل. فكانت فكرتي أنني مكمل، حتى لو بقيت هكذا في أعراض الانسحاب، التي فهمت اسمها لاحقاً، طوال حياتي، ليس لدي مشكلة، خلاص، أريد أن أخرج من الموضوع بأي طريقة.

د. أماني الفرجات: وصلت إلى مرحلة القرف.

سعد المحمود: مئة بالمئة. لكن أصعب شيء في هذه المرحلة، نرجع لموضوع الأمل، هو أن الشخص الذي يتابعنا الآن وهو واقع في المشكلة، يعتقد ويقول: “سعد ربما نجحت معه، أنا لن تنجح معي”. هكذا يبدأ عقل المدمن بالتحدث إليه، يبدأ بإشعاره باليأس لأن النواقل العصبية لا تعمل، كل شيء في دماغه لا يعمل. فنحن دائماً نعود ونحاول أن نتحدث عن هذه القصة، نعود ونذكر، نعود ونتحدث، لكي نعدل هذه الأفكار التي لديه، لكي يبقى يستمع. لماذا يتابعني الناس مثلاً؟ هناك أناس كثيرون على فكرة يتابعونني على اليوتيوب ويتعافون وحدهم، يكون معهم طبيب أو معالج، لكن بدون الذهاب إلى مصحة، لأنه مصر جداً. لكن لماذا؟ لأنه يستخدم فيديوهاتي لكي يذكر نفسه: “أنت تقدر، أنت تقدر، هناك شخص نجحت معه، فأنا ستنجح معي، هو أمامك”. أنا لست شخصاً لديه أربع أرجل وأربع أيدٍ، أنا مثلك تماماً. والمرحلة التي كنت أتألم فيها، أنت لم ترها، أنت تتألم مثلها، ستستطيع الخروج. فهذه إن شاء الله تكون الرسالة التي تصل.

د. أماني الفرجات: غير اليوتيوب وغير وجود أشخاص خرجوا من هذا الأمر، كم تكون لديهم معلومات عن ما هو الإدمان، دورة الإدمان، كيف أنه بعد أخذ هذه المادة، حسناً، أرتاح راحة مؤقتة، ثم أعود وأشعر بالذنب وأعود لآخذ المخدر، فأبدأ بالدوران في هذه الحلقة. وبعد ذلك، ما هي الأعراض التي تحدث معي؟ وعندما أريد الخروج، كيف يؤثر علي؟ المعرفة بحد ذاتها تساعدني، كيف تسهل مرحلة التعافي أكثر وأكثر.

سعد المحمود: مئة بالمئة، مئة بالمئة.

د. أماني الفرجات: طيب سعد، ما هو الدرس الذي تعلمته من الإدمان؟

سعد المحمود: والله دروس… هي الحياة أصلاً عبارة عن دروس. لكن أحياناً، كما ذكرت لك، الحياة عندما تضيق عليك، أو في ذروة الابتلاءات والمصائب، هناك شيء جميل جداً قد يحدث لو فكرت في التغيير. أكبر درس استفدته من الإدمان والتعافي بصراحة هو أن كل شيء تريد أن تغيره، أنت تستطيع أن تغيره، أنت مسؤول عنه، كل شيء بمعنى الكلمة. بعض الأمور قد تأخذ منك أشهراً، بعض الأمور قد تأخذ منك سنوات، بعض الأمور قد تتغير بعد أن تموت أنت، لكنك تكون قد غرست شيئاً. لكن أنت المسؤول، أنت لست ضحية، وأنت تستطيع تغيير حياتك بالاستعانة برب العالمين والعمل. رب العالمين يعطيك الأمل، لكن العمل يظهر صدقك عند الله، فتبدأ برؤية نتائج. فأكبر درس تعلمته في رحلتي مع الإدمان هو أن أتحمل مسؤولية أخطائي وأفكر في التغيير. وأنا دائماً أقول إنه من الممكن أن أكون أنا المخطئ. وعلى الأغلب، إذا كنت تتابعني ولديك مشكلة… كما أخبرتك، هناك مدمنون “على الخفيف” أو مسيطرون كما ذكرنا قبل قليل، فيبدأ بإلقاء اللوم على أهله، على زوجته، على الوضع، لا، المشكلة هي هو، المشكلة عنده. لو قال: “أنا المشكلة”، لهذا السبب نحن، أي شخص، ربما أنتِ نفس الشيء كدكتورة، يأتيك شخص مدمن ولديه مشكلة في العلاقة الزوجية، فنحن في العادة نترك العلاقة الزوجية ونقول له: “تعال، أنت لديك مشكلة إدمان، نحن نريد أن نحل هذه المشكلة أولاً”. ونحن لا نقول له إنك أنت المخطئ، لكن الآن نحن في بودكاست، وأنا بالنسبة لي دائماً أحاول أن أكون صريحاً معه، أنه حتى لو كان الحق على زوجتك، على الأغلب 99% الحق عليك أنت.

د. أماني الفرجات: هي مشكلة علاقاتية، فتكون على الطرفين أساساً، لكن عندما يكون هناك إدمان في المنتصف، يجب أن نعمل…

سعد المحمود: أنا لأنه هو، على الأغلب الإدمان الذي حدث معه، هو يتعامل مع المواقف والمشاكل كرجل يجب عليه حل المشاكل عادةً بطريقة مختلفة.

د. أماني الفرجات: بالضبط، بالأمور الزوجية، طالما نتحدث عن أن الشخص يحسن علاقته مع نفسه، فإذا كانت جيدة وصحية، هذا الشيء ينعكس على علاقته مع الزوجة أو مع الأشخاص الموجودين حوله، فبالضرورة تكون صحية أكثر. أفهم كلامك أنك تقول إنه من الضروري أن يكون هناك اعتراف في البداية، ومع الاعتراف، تحديد المشكلة وإعطاؤها مسميات صحيحة كبداية.

سعد المحمود: مئة بالمئة. الاعتراف بالمشكلة أنها موجودة هو 80% من حل المشكلة، هذه هي الخطوة الأولى.

د. أماني الفرجات: تمام. في حال لو أن هناك الآن أشخاصاً مدمنين يشاهدوننا ومعترفين بهذه المشكلة، ويشعرون أنه خلص، صار لازم أتوقف عن هذا الشيء، بماذا يمكن أن تنصحهم، لهم ولأهاليهم أيضاً؟

سعد المحمود: بصراحة، لنقسم الجواب إلى قسمين. أولاً للأشخاص أنفسهم. بصراحة، للأشخاص أنفسهم، نريد أن نتحدث معهم بطريقة أنني أنا كسعد، بصراحة، لماذا أنشأت قناة يوتيوب؟ أنا كنت ضائعاً، لا أعرف من أسأل. كنت خائفاً أولاً من الحكومة، قانونياً، مع أنه الحمد لله الآن صار هناك تخفيفات، وصار الشخص الذي يريد أن يتعالج لأول مرة أو يريد أن يتعافى، الأمور أصبحت جيدة. في الماضي كانت الأمور أشد. الأهل لن يتفهموا، ليس لديهم خبرة، سيقولون لك: “أنت ليس لديك إرادة”، أو قد يزعلون، وربما أمك ستظل دائماً خائفة عليك. الأصحاب ضائعون. فلا تعرف إلى من تتوجه. فأنا أرى أن رقم واحد هو أن يعرف كيف يلجأ إلى شخص يستطيع مساعدته حقاً، ولكن لماذا يساعده؟ ليضع خطة. الآن، نحن لدينا مشكلة، نحن العرب بشكل عام لا نعرف كيف نخطط. مثلاً، عندما سافرت إلى أمريكا ورأيت كيف يخططون لخمسين سنة قادمة، يكونون قد خططوا لكل حياتهم. فأنا مثلاً أريد أن أتعافى، ما هي خطة الشباب؟ خطته الأصلية: “غداً، خلاص، أنا سأتوقف غداً، شكراً”. يستيقظ صباحاً، يريد أن يتوقف ليومين أو ثلاثة، فيعود ويأخذ، ويعود ليعيش في هذه الدوامة. طيب، أين الخطة التي وضعتها؟ فيجب أن تجهز خطة كاملة: ما هو البرنامج الذي ستمشي عليه؟ من سيكون معك؟ من سيتابعك؟ إذا حدثت لك انتكاسة، كيف تتصرف؟ أين المكان الذي ستكون فيه؟ كيف تخفف الضغوطات التي عليك؟ هل لديك عمل؟ هل لديك إجازة؟ هل تستطيع أن تأخذ إجازة أم لا؟ من هم الناس الذين قد يتفهمونك الآن ومن لن يتفهموك؟ ما هو وضعك المادي؟

د. أماني الفرجات: عندما يأتيك الاشتياق، ماذا تفعل؟

سعد المحمود: مئة بالمئة. يعني قصة كبيرة. فعندما يكون معك شخص مختص، يستطيع أن يعطيك خريطة، “خريطة التعافي” أسميها، إلى أين تذهب. وكل هذه الأمور تسير بسرية، وهذا هو الممتاز في…

د. أماني الفرجات: طبعاً، بالتأكيد عندما نتواصل مع شخص مختص.

سعد المحمود: حسناً، لكن هناك مشكلة يجب أن نتحدث عنها يا دكتورة، وأوجهها للجميع، للشباب ليفهموها. لا تذهب فقط عند مقدم خدمة رعاية واحد، يعني طبيب نفسي فقط.

د. أماني الفرجات: يجب أن يكون شمولياً أكثر.

سعد المحمود: مئة بالمئة. لا تذهب عند معالج نفسي فقط، لا تذهب عند مدرب رياضة فقط. اذهب عند أكثر من شخص. يعني اعمل لك برنامجاً، على الأقل نحن نرى خمسة يعملون معه. مثلاً، الطبيب النفسي في البداية، المعالج النفسي، مدرب رياضة، مسؤول عن التغذية، ومعلم روحاني أو واعظ ديني، شخص يقدر أن يؤسس لك هذا الجانب. طبعاً، لو كان أحدهم أيضاً مدمناً سابقاً ليعطيك أيضاً شيئاً من عنده ويلهمك، يكون ممتازاً. فتلجأ إلى هؤلاء الأشخاص. قد يكون هناك شخص ليس لديه مال، ممكن أن يسمع لهم من اليوتيوب أو ما شابه، يحاول أن يدبر أموره، لكن يذهب عند طبيب وعند شيء ضروري، مع أن هناك الكثير من الخدمات المجانية الآن، حتى أتوقع أن التأمين هنا لدينا صار يقدم خدمات علاج نفسي مجانية، وهناك علاج إدمان، وهناك زمالات مجانية. فلا تقل إنه لا يوجد، هو موجود. لكن الأهم، لنلخص للشباب والصبايا، ضع خطة عن طريق أشخاص مختصين، وليس مقدم رعاية واحداً، بل تحتاج إلى أكثر من شخص. الآن، الأهل، إذا أردنا أن نجيب على الجزء الثاني. الأهل قصة، وأي قصة. الأهل المساكين لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذه المشكلة، وفي العادة ينقسمون إلى قسمين: قسم يتعاطف، يكون مسكيناً، على الأغلب الأم، لكن ليس في كل الأحيان، أحياناً الأب، لكن في أغلب الأحيان الأم. ونحن نسميه الذي “يمكّن” المدمن، يصبح هو الذي يدلله ويطبطب عليه ويحاول، بحسن نية، ولا تكون حازمة معه نوعاً ما.

د. أماني الفرجات: بالضبط، والأب يكون حازماً جداً.

سعد المحمود: حازم جداً، يعني هناك تضارب في الأساليب.

د. أماني الفرجات: والقرار، يعني هناك قراران في العائلة.

سعد المحمود: تحدث مشاكل، وبعد ذلك الإخوة لا يعرفون كيف يتصرفون. فأول شيء، يجب أن يكون هناك قرار واحد في العائلة: ماذا سنفعل؟ وأعود لموضوع المختص، يستشيرون مختصاً أيضاً، يضعون قراراً واحداً: ماذا سنفعل؟ ما هي أوراق الضغط التي لدينا على الشخص إذا لم يكن مقتنعاً؟ وإذا كان مقتنعاً، ما هي أفضل طريقة لعلاجه؟ لكن الأهم الأهم، أن يتفهموا أن هذه المشكلة بصراحة… لا أعرف إذا كنتم تلاحظون أحياناً، أنا أتحدث لأنني موجود في المشاكل نفسها أو في المجال نفسه، لكن المشكلة تكبر. الإدمان يكبر كثيراً، لأن الإدمان لم يعد مقتصراً على موضوع الكحول والحشيش والمخدرات، بل صار على الأدوية. يعني هناك أناس عاديون يأخذون أدوية بوصفة طبية ويدمنون عليها. غير الأدوية، الألعاب، القمار. يعني هناك إحصائية في بلد ما، لا أريد ذكر اسمه، فعلياً لا يوجد بيت إلا وفيه مدمن واحد على الأقل، وأحياناً يكون أخوه أو شخص آخر لديه إدمان أيضاً. فلا يوجد بيت… في هذا البلد الذي أتحدث عنه، النسبة فوق الـ 10%. ونحن مقبلون على زمن ضغط الحياة، أسلوب الحياة الذي نعيشه يتطلب منا أحياناً استخدام بعض الأدوية. وشيء آخر، قد يكون لدى الأشخاص اضطرابات نفسية أو صدمات أو عقد نفسية تجعلهم يلجأون للإدمان لمعالجة هذا الشيء. القصد بشكل عام، المشاكل النفسية، أزمة الصحة النفسية، الصدمات، أسلوب الحياة، يعني الهاتف الآن، جلوسنا على الهاتف نحن الكبار، لكن عندما تجد طفلاً تبرمج عقله على استخدام الجهاز اللوحي، هذا عندما يكبر، سترون بعد عشر سنوات يا دكتورة، سترين أشياء غريبة جداً، لأننا لم يأتِ بعد الجيل الذي تربى من عمر ثلاث أو أربع أو خمس سنوات… بل هناك منهم من يبدأ باستخدام الجهاز اللوحي بعمر سنة، إلى عمر الخامسة عشرة، دماغه مبرمج، لا يعرف كيف يتعامل مع البشر. يصبح لديه رهاب اجتماعي، مشاكل نفسية، ليس لديه مهارات اجتماعية. الشباب الآن الصغار، بعمر ست سنوات، إدمان إباحية، ست سنوات! بالتأكيد ليس ممارسة سرية، لكن إدمان. فالقصد أن المشكلة تكبر بسبب أسلوب حياتنا الذي نعيشه والعصر. لهذا السبب، يتطلب منا أن نتقبل أنها مشكلة، مرض، نعترف بها، ونضع حلولاً ونعالجها، لا أكثر.

د. أماني الفرجات: كشخص متعافٍ، ما هي أسوأ الكلمات التي كانت توجه لك أو تسمعها؟

سعد المحمود: في نظرة أو كلام… والله هي عدة أشياء كنت أريد أن أذكرها، سأختصرها في أمرين حتى لا نطيل. أولاً، أهلي، عندما تغيرت وتعافيت، لم يكونوا في البداية مصدقين أنني تغيرت. أنا مثلاً أنهيت دراسة الهندسة، فكانوا يرونني كمهندس، وبعد سنة من عدم العمل، بدأت بعمل قناة يوتيوب. لم أكن قد أنشأت اليوتيوب من أجل الدخل، بل عملته تطوعاً. بعد سنة وشهرين من التعافي، بدأت باليوتيوب. في تلك السنة والشهرين الأولى من عملي على اليوتيوب، كنت أتطوع بكل وقتي، فقط أتحدث مع الشباب أو الفتيات المدمنين عبر الإنترنت وأساعدهم، أتحدث معهم، أستمع إليهم، وأتعلم من قصصهم. وهذا أعطاني خبرة كبيرة أصلاً في أشياء حتى أنا لم أمر بها. لكن بعد هذا التطوع، مرة كنت أسمع أبي يتحدث مع أمي ويقول: “لقد خرّب حياته، كان مهندساً…”. فكانت أموراً تجرحني، لكن في نفس الوقت كنت أعرف ماذا أفعل، لأنني أيضاً لم أكن أعمل فقط على اليوتيوب، كان لدي عمل خاص صغير لا أزال أبنيه في مجال التغذية واللياقة البدنية. سبحان الله، بعد ذلك كيف تحول كل شيء من التغذية واللياقة البدنية والإدمان إلى علاج شمولي، برنامج شمولي، وهو الشيء الذي قد نتحدث عنه في النهاية، ماذا أفعل الآن. فالآن، الحمد لله، أنا أكثر شخص قائم بعائلتي وعائلة أهلي. الآن اختلف الأمر. أنا كنت أرى هذا الشيء مستقبلاً من التعافي نفسه. عندما خرجت من التعافي، هو الذي خلق لدي الأمل، لأن الذي يخرج من التعافي يكون قد فعل شيئاً صعباً جداً. لكن عندما كنت أسمع هذا الكلام وأن أهلي يرونني هكذا، كنت أتضايق، مع أنني كنت قد تغيرت. فلو كان تعافي الشخص ضعيفاً أو لديه محفزات، كان من الممكن أن يقع بسهولة. الآن، الأمر الثاني، عندما جئت لأتزوج. أنا طبعاً، قبل بداية اليوتيوب، لم يكن أحد يعرف. لكن جاء شخص، الله يستر عليه، وشى بي عند حماي، الذي هو حالياً حماي. بعد سنة وشوي من التعافي، قررت أن أخطب، وبعدها ببضعة أشهر أو ستة أشهر، كانت الفكرة أن أتزوج. بين الخطبة والزواج، فشل الأمر. لماذا؟ جاء شخص وأخبره قصتي، وطبعاً أظهرني كبابلو إسكوبار، قال لهم: “هذا ليس مدمناً، هذا شيء خطير”. فهو تمسك بهذا الموضوع. فسبحان الله، ظللت في هذا الموضوع سنتين كاملتين حتى أقنعتهم، أقنعت حماي. وحتى الآن، الحمد لله، في السنة الأخيرة تحسنت العلاقة. يعني قضينا سنتين أو ثلاث وهم لا يزالون غير مقتنعين. ولهم الحق على فكرة. الناس أو الأهل… لهذا السبب، الشباب الذين يتابعونني ولديهم مشكلة، أهلهم معهم حق. هم رأوك تقع كثيراً، كل مرة تقول: “هذه آخر مرة”، كل مرة تقول… فكيف سيصدقونك؟ وهذا الوصم المعروف عن المدمن. فمن واجبك أن تثبت للناس بإنجازاتك مع الزمن أنك تغيرت. لا أحد له عليك شيء، أنت الذي يجب أن تثبت للناس. فهذا الشيء طبعاً كان يتعبني في تلك الفترة، أنني أريد أن أتزوج الفتاة، أريدها، طيب أنا… مشكلة الآن أنني أصبحت مشهوراً أكثر على اليوتيوب، فصار من الممكن أن يعرف أناس أكثر. أنا متصالح مع نفسي، وأتفهم الناس غير المتصالحين مع فكرة أنني كنت مدمناً سابقاً، أتفهمهم، لا ألومهم. لكنني أحب أن أعيش صادقاً مع نفسي ومرتاحاً. لكن عندما كان الأمر يخصني، أنني أريد الفتاة وأريد أن أتزوجها، أخذ مني الأمر سنتين كاملتين حتى أقنعته، وسنتين بعدها حتى أصبحنا أصحاباً.

د. أماني الفرجات: وفعلياً رأى تغيرات عندك أساساً.

سعد المحمود: نعم، طبعاً. هو متى اقتنع؟ أراد أن يرى. بالضبط، فلما رأى التغيير وثبات التغيير مع الزمن، اقتنع.

د. أماني الفرجات: كم مررت بتغيرات في حياتك ومحطات ومطبات، كم نزلت وكم طلعت. لو أردنا أن نرى حياتك كفيلم، ماذا يمكن أن تسمي هذا الفيلم أو ما هو عنوانه؟

سعد المحمود: والله في أول أيام التعافي، تعود الذكريات للواحد. تعرفين، في أول سنة يبدأ الدماغ بالعمل. أتمنى لو أنني كتبت. أنا كتبت كتاباً صغيراً “ذكريات مدمن” عن مواقف معينة، لكن أتمنى لو أنني كتبت أكثر، لأنه بصراحة الآن بدأت أنسى. تعرفين، الزمن يمضي، تزوجت، صار عندي أولاد، أعمل، لدي عمل وأكبره، وأسافر من بلد إلى بلد. فعقلي نسي الماضي قليلاً أو كثيراً. أتمنى… لكن لو كانت فيلماً، هي فعلياً فيلم. كنت جالساً مع الدكتور حذيفة، وهو طبيب نفسي معنا في الفريق، وفي العادة في الجلسات المغلقة نتحدث عن بعض الذكريات التي لا أستطيع ذكرها على اليوتيوب أو للناس، لأن فيها مشاكل قانونية، فيها أشخاص معينون… فيقول لي: “أنت فعلياً قصة تُكتب فيلماً”. لكن اسمه، لم أفكر فيه. ممكن أن نفكر معاً، ليس لدي مشكلة. ممكن أن نسميها “العودة إلى الحياة”، كيف يكون الإنسان ميتاً ويعود. هناك تجربة اسمها “الاقتراب من الموت”، تجربة الإدمان والعودة هي فعلياً مثل الموت والعودة إلى الحياة مرة أخرى. فممكن أن يكون شيئاً قريباً. هي فعلياً كيف تكون إنساناً، و”يخرج الحي من الميت”. أنت تكون ميتاً، مع أنك حي، لكن ميت بمشاعرك، بحياتك، بأهدافك، بعلاقتك مع ربك، بعلاقتك مع الناس. كيف بعد ذلك أن الله ممكن أن يخرجك حقاً، ويخرج روحاً من ميت. فتصبح تعيش حياة متصالحاً مع نفسك، إذا تعافيت بشكل صحيح، لم يعد يفرق عندك شيء. واحدة من الأشياء التي تعمل عليها كثيراً هي الموت، فكرة الموت. كل واحد يخاف من الموت، ربما كلنا نخاف من موضوع الموت. واحدة من الأشياء التي علقت فيها فترة وأنا أتعافى هي أن أتصالح مع فكرة الموت، فلم أعد خائفاً منه. الذي يخاف منه هو لأنه يرتكب الأخطاء، فيريد أن يتوقف. فأنا توقفت عن ارتكاب الأخطاء، قررت أن أتوقف عن كل شيء حرام تماماً، حتى الشيء الصغير. حتى أنني ذهبت لدرجة الكمالية، بالغت على نفسي قليلاً، فقط لأضغط على نفسي، لكي أصل إلى مرحلة أتصالح فيها مع فكرة الموت، أنني لو مت، سأذهب إلى مكان جميل جداً، سأذهب عند الله. فالقصد هنا كيف يكون الإنسان ميتاً ويعود إلى الحياة. فممكن أن يكون العنوان “العودة من الموت”، أو “الحياة بعد الموت”، أو “يخرج الحي من الميت”. فكرتها كيف يكون الإنسان ويُخلق منه إنسان جديد.

د. أماني الفرجات: طيب، في حال لو كان شخص لا دينياً أو ليس لديه وازع ديني، كيف يمكن أن تنصحه أو كيف يمكن أن تساعده؟

سعد المحمود: واحدة من أصعب الأشياء في التعافي على فكرة. الآن، دعيني أختصر فكرة التعافي. التعافي فيه أدوات معينة تستخدمها، وطرق وأساليب وخطة كما تحدثنا، لكنها كلها لا شيء إذا كان المرجع والسند الأساسي، وهو علاقتك مع الله، غير موجود. قد تنجح بسبب الألم وباستخدام الأدوات وتتعافى، لكن التعافي سيكون هشاً، ممكن عند أي مطب أن تقع. أنا أشبهها دائماً، لمن يتابعون الرياضة، الـ UFC، كان هناك كونور وحبيب. اشتهر كونور مثلاً، وصل إلى نجاحات، ملاكم إيرلندي، لكنه كان معتداً بنفسه، دائماً يعتمد على نفسه: “أنا خطير”. فالمال أغراه، الشهرة أغرته، وفي النهاية وقع، لأنه أخذ كل شيء فلم تعد لديه مرجعية صحيحة، فوقع. بينما حبيب، هو أصلاً لا يريد المال وأتاه كله، لكن مرجعيته الله، ويريد أن يقوي علاقته مع الله، يريد أن يكون مثالاً وقدوة للشباب، واشتهر بين العرب والمسلمين وأصبح أيقونة ونموذجاً يحتذى به. نفس الشيء التعافي، على فكرة. إذا عملنا على التعافي بالأدوات والخطة، سننجح لفترة وسنحصل على ما نريد، لكن سيبقى هناك خوف. بينما إذا كانت هناك مرجعية قوية، علاقة مع الله بغض النظر عن ديانتك أو طائفتك، فإنها تحملُك وقت المشاكل والمصائب. لأنه وقتما تحدث لك مشكلة كبيرة، لن يفرق عندك شيء غير هذه العلاقة. لكن إذا جئنا للملحد أو اللا ديني أو اللا أدري، لأننا نعمل مع شباب من هذا النوع، نعاني قليلاً من الموضوع، لكننا نطلب منه في بعض اللحظات، وهذه حقيقة على فكرة، هناك شخص كتب كتاباً عنها عن أناس ملحدين أو لا أدريين أو لا دينيين، أنه في ذروة ألمه وهو يحاول التعافي والأمر لا يفلح معه، أن يطلب من الله، يقول له: “يا رب”، ليس كتحدٍ، بل كسؤال: “إذا كنت موجوداً حقاً، أريدك أن تساعدني”. وكثير من الشباب والبنات تغيرت حياتهم بأنهم سألوا الله بصدق، وهو شاكك، يريد أن يفترض أنه إذا كان موجوداً، فيقول: “يا رب، إذا كنت موجوداً، أسألك بصدق أن تساعدني”، وصدقيني، يساعده. وهناك كتاب والله نسيت اسمه، درسته في دورة التدريب التي أخذتها، لكن سأعطيك اسمه، جميل جداً عن قصص 42 شخصاً ملحدين، لا أدريين، متشككين، سألوا الله في وقت الأزمة، مع أنهم كانوا لا يريدون ذلك، لكنهم جربوا طرقاً كثيرة وقالوا: “لنجرب، لن نخسر شيئاً”. فأنا أدعوهم دائماً أن يجربوا، لكن ألا يكون الأمر تحدياً أو استهزاءً، بل تجربة حقيقية صادقة: “أنا لا أعرفك، وأنت…”. وسبحان الله، ربنا عندما يراك تقترب قليلاً، يقترب. هناك حديث، أتوقع قدسي، عن هذا الموضوع: “من تقرب إلي شبراً، تقربت إليه ذراعاً”، أو كما هو الحديث.

د. أماني الفرجات: طيب، الآن بعد أن مررنا بكل هذه المراحل في الحياة، الآن سعد ماذا يعمل وكيف الحياة معه؟

سعد المحمود: بصراحة، أنا أشعر أن لدي رسالة. أنا أتابع أناساً أحياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الدكتور كريم، مشهور في موضوع التغذية، وكم شخص آخر. أحب كثيراً فكرة أنني في هذه الدنيا لدي رسالة، إذا لم تكن لدي هذه الرسالة، فلماذا أعيش أصلاً؟ وأنا أعتقد أن رب العالمين خلق كل واحد منا لفلسفة معينة، رسالة. قد تكون رسالتك أن تربي أولادك أفضل تربية، قد تكون رسالتك… مهما كانت، عادي. ممكن فنان يعمل موسيقى جميلة، مصور ينتج أفلاماً ضخمة تغير عقول الناس، أتذكرين كيف حكينا أن الأفلام تغير؟ فكل إنسان لديه رسالة. فأنا أؤمن أن لدي رسالة لأنني لم أجد أحداً يساعدني.

د. أماني الفرجات: أنت ربطتها بهدف، على فكرة.

سعد المحمود: بالضبط، بالضبط. هي مهمة أنا أمشي فيها. أريد أن أساعد مليون شخص على التعافي من الإدمان، وسببه الألم الذي مررت به، اقترابي من الموت أكثر من مرة بالجرعات الزائدة التي حدثت معي. لا أريد لأحد أن يعاني هذه المعاناة. بدل أن قضيت ثلاث سنوات وثمانية أشهر، ممكن شخص يتابعنا أن يخرج في ثمانية أشهر فقط. تريد أن تسهل الطريق للناس. وهذا الشيء يعطيني شيئاً جميلاً في حياتي، إذا كانت النية خالصة إن شاء الله لله. وفي نفس الوقت، مع الوقت اكتشفنا أن التطوع وحده أو أنني وحدي لا يكفي. فشكلنا فريقاً وبدأنا نبني، وكما ذكرت لك قبل البودكاست، نحن نحاول أن نجد طريقة، بصراحة، نحن نريد أن نساهم في تغيير الشعب العربي عن طريق مساعدة مليون شخص على التعافي من الإدمان. لكن كيف تكون هذه الطريقة؟ مشكلة نسب نجاح علاج الإدمان أنها متدنية جداً في الوطن العربي، ومتدنية أكثر. وأتصور أنه لا توجد إحصائيات للأسف.

د. أماني الفرجات: ربما لأنه لا يوجد مختصون في هذا الموضوع أساساً.

سعد المحمود: للأسف، لا أعرف ما المشكلة. أشعر أننا كعرب لا نشعر أننا مسؤولون هكذا أمام الله وأمام أنفسنا ومجتمعاتنا أننا نريد أن نفعل شيئاً. بل نقعد نلوم الناس، نلوم أنفسنا. تعالوا، أنا هأنا ذا، لماذا لا أنا وفريقنا، مع الأطباء، ومعنا أطباء ونفسيون ومعالجون، لماذا لا نحاول أن نطور خلال الخمس إلى عشر سنوات القادمة منهجية جديدة تكون نسب نجاحها شمولية. والفكرة موجودة في الخارج، يعني نحن لا نخترع شيئاً جديداً. في أمريكا، في بعض المصحات، نسب نجاحهم تصل إلى 60% وفوق. نحن تحت الـ 10%. طيب، لماذا لا نأخذ وندرس تجاربهم، مثل تجربة آيسلندا أيضاً، كيف قللوا أصلاً من الإدمان نفسه من البداية، كيف قللوا نسبته. ندرس تجاربهم ونطبقها عندنا بالنكهة العربية الإسلامية التي تناسب مجتمعاتنا، لأنه حتى لو أخذنا كل شيء عندهم، لن ينجح عندنا، ثقافياً يجب أن يكون مناسباً. لكن نجربه ونوثق تجربته بشكل علمي، ثم ننشر ونتحدث عن الموضوع. وهذا الشيء سيأخذ سنوات. فهي رسالة إن شاء الله تجعل الواحد دائماً يستيقظ صباحاً يريد أن يفعل شيئاً، ورب العالمين يطرح فيها بركة أو شعوراً جميلاً. فلاحظي كيف أن الشعور في الماضي كان يأتي بالطرق المختصرة والمواد التي في النهاية تتعب. هنا العكس، هنا تعب في البداية ثم راحة أكبر. الراحة التراكمية في صناعة المحتوى الذي يفيد الناس، مثل الشيء الذي نفعله حالياً. الفكرة أنك تستيقظ وتساعد أي شخص بأي طريقة، بشكل من الأشكال، تعطيك سعادة تراكمية في الحياة. لكن الفرق بينها وبين تلك السعادة هو أن هذه السعادة لا تنتهي، بل تزيد. أنا أصلاً كيف أفرق بين الشيء الحقيقي وغير الحقيقي؟ الشيء الحقيقي دائماً يزيد. يعني الحب بين الناس المتزوجين، إذا كان حقيقياً، يزيد مع الزمن، بينما لو كان شيئاً عابراً، تجدينه بالعكس، متعة وذهبت. هذا هو الفرق. فالمخدرات كانت متعة، الآن الرسالة التي نحن فيها، إن شاء الله سوياً، حتى بهذا البودكاست، كلنا جزء منها، أن يكون فيها هذا الخير الذي يرجع علينا بالسعادة الحقيقية التي نعيشها. فلسفتها أن الله يكون راضياً عنا لأننا نفعل شيئاً ننفع به الناس، لأن خير الناس أنفعهم للناس. هذه هي الفلسفة التي يمشي عليها الواحد. لكن عندما يبدأ بتطبيقها ويعيشها يوماً بيوم، يشعر بالاستحقاق كل يوم، لديه طاقة. مثل الآن، تحدثتِ معي عن بودكاست، آتي وأصور أي شيء يتماشى مع الرؤية والمهمة التي نسير عليها. وإن شاء الله ربنا يوفقنا، الأمر يحتاج سنوات، ونحن سائرون، وسنحقق بإذن الله هذا الحلم.

د. أماني الفرجات: بإذن الله. طيب، لو سمحت، نريد منك نصيحة لجهتين: أولاً، لشخص في بدايات مرحلة الإدمان، وثانياً، لشخص غائص جداً وغارق في الإدمان وليس لديه البصيرة أنه حالياً في مشكلة أو أنه يستطيع الخروج منها.

سعد المحمود: للشخص الذي يتابعني وحالياً يجرب أول حبة ويدخن أول سيجارة وهو سعيد وفي فترة “شهر العسل” التي سميتها، أقول لك بصراحة، أنا أفهمك وأشعر بك. أعرف أنك في هذه المرحلة لن تستطيع حتى فهم كلامي، لأنك الآن في المتعة، أنت الآن سعيد، تقول: “أنا مختلف، ربما هو لم يعرف كيف يتعاطى، ربما هو أصلاً جسمه أو جيناته مختلفة عني، ربما ظروفه كانت غير”. لكن صدقني، كلنا بنو آدم، وهذه المواد في النهاية ستأخذك إلى نفس المكان مهما طال بك الزمن. أنا أعرف أنك مستمتع، وليس قصدي أن أفسد عليك متعتك، لكن للأسف يجب أن أقول لك الحقيقة. كلما خرجت أسرع كان أسهل. ابحث عن الحياة والسعادة والطاقة التي أخذتها. والشيء الذي يفرز الدوبامين والسيروتونين في دماغك، صدقني ليست هذه المواد، بل دماغك هو الذي يفرزها، جسمك. أنت فقط حفزته. دليل على ذلك، أحياناً وأنت ذاهب إلى التاجر، قبل أن تشتري، تشعر بالسعادة. طيب، أنت لم تأخذ شيئاً بعد. هذا أكبر دليل على أن جسمك ودماغك قادران على تفعيل أكثر مما تراه من السيروتونين والدوبامين والإندورفين وغيرها، وبدون هذه المواد، لكن يجب أن تبحث عنها. فنصيحتي لك، أختصر عليك الوقت، إذا أحببت أن تسمع مني، من الآن حاول أن تبحث عن بدائل، ولا ترضَ أن تكون روتينياً مملاً بالتأكيد، لكن لا ترضَ أن تأخذ الطريق الذي تعتقده صحيحاً. أنا وأنت نفس الشيء، لن نفرق عن بعض، كلنا بنو آدم، وستقع في النهاية إذا أكملت في هذا الطريق. أما للشخص الواقع جداً والمتعب من الموضوع، وربما يفكر أصلاً في التغيير، أنا أشعر بك كثيراً، أنا كنت في هذه المرحلة لسنوات، وتمنيت أن أجد أحداً يتحدث معي بلغتي، يفهم علي معاناتي. أنا أشعر بك كثيراً. ما عليك فعله فقط هو أن تنوي نية صادقة مئة بالمئة أنك تريد أن تتغير، وتتخذ القرار. أتعرف ما هو صدق القرار؟ صدقك في القرار يكون بالتضحيات التي ستقدمها. قد تضحي بأصحاب تجلس معهم، قد تضحي بالعمل الذي كنت فيه، مثلما تحدثت عن عملي في الحفلات والسهر، أنا بالنسبة لي كان يجب أن أتركه، يجب أن أضحي بهذه الأموال، يجب أن أضحي لكي يعرف رب العالمين صدقي، وألجأ إلى رب العالمين وأقول: “ربّ، استدلني”. سيجعلك ترى الطريق، لكن صدقك في لجوئك إلى الله يجب أن يكون بالتضحيات بعد اتخاذك القرار. اتخذ القرار الآن، أفضل من أن، لا سمح الله، خاصة إذا كنت تأخذ مواد قوية، قد تصل إلى نقطة اللاعودة، التي فعلياً في الماضي لم أكن أؤمن بوجودها، لكن بعد أن رأيت الكثير من الشباب، مواد مثل الشبو (الكريستال ميث) وغيرها، يفقدون عقولهم للأبد، يصبح لديهم ضرر دائم لا يمكن علاجه أبداً. لكنني أعطيك الأمل هنا، وها أنا ذا رسالة أمل، أنا إنسان مثلك تماماً، مررت بتجربة. أي شيء تحتاجه، تستطيع التواصل مع مختصين، تواصل معنا، تواصل مع الزمالات، هناك أشياء، بأي طريقة تبحث عنها ستجدها. نحن جاهزون لمساعدتك.

د. أماني الفرجات: يعطيك ألف عافية، شكراً لوجودك معنا، وشكراً لأنك أعطيتنا هذه الكلمات التنويرية.

سعد المحمود: يعطيكِ ألف عافية دكتورة، شكراً لكِ.

د. أماني الفرجات: نحن اليوم هكذا أنهينا حلقتنا الأولى، وإن شاء الله نلتقي في الحلقات القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى