في حوار صريح وعميق أدارته د. أماني الفرجات، يقدم “سعد المحمود” شهادة حية ومؤثرة عن رحلته التي استمرت تسع سنوات في عالم الإدمان، وكيف تمكن من الخروج منه ليبني حياة جديدة قائمة على التعافي والهدف. لا يقتصر الحوار على سرد الأحداث، بل يغوص في التحليل النفسي والاجتماعي للإدمان، ويقدم خارطة طريق مليئة بالدروس والأمل لكل من يعاني أو يحيط بشخص يعاني من هذه المشكلة.
بداية السقوط: من الهروب إلى الغرق
يوضح سعد أن رحلته لم تبدأ بحب للمخدرات، بل برغبة في الهروب من الآثار السلبية لإساءة استخدام الكحول. كانت حبة “الليريكا” هي نقطة التحول؛ بدت كحل سحري يمنحه الشعور بالنشوة دون صداع اليوم التالي. لكن هذا الحل كان في الحقيقة بوابة إلى حفرة أعمق، حيث تحول الفضول والرغبة في “المزيد من المتعة” إلى محرك دفعه لتجربة كل أنواع المواد المتاحة تقريباً، من الكبتاجون إلى الكوكايين، ليجد نفسه غارقاً في عالم لم يكن يتخيل خطورته.
يشير سعد إلى دور العوامل الخارجية في تزيين هذا الطريق المظلم، حيث تساهم الأفلام والموسيقى ووسائل التواصل الاجتماعي في ربط المخدرات بصورة النجاح والقوة، مما يخلق وهماً جذاباً يقع فيه الكثير من الشباب.
الحياة في الداخل: مراحل الانهيار وعقلية المدمن
يقسم سعد تجربة الإدمان إلى أربع مراحل رئيسية تصف بدقة دوامة الانهيار:
- شهر العسل: المرحلة الأولى التي يشعر فيها المتعاطي بالمتعة والإبداع، ويعتقد أنه مسيطر تماماً على الوضع.
- العادة: يتحول التعاطي من مصدر للمتعة إلى ضرورة للشعور بالحالة الطبيعية والقدرة على ممارسة الحياة اليومية.
- الكآبة: يصبح الهدف من التعاطي هو الهروب من الاكتئاب والقلق اللذين سببهما الإدمان نفسه.
- القاع: مرحلة الانهيار الكامل، حيث يفقد الشخص كل شيء: عمله، علاقاته، أمواله، واحترامه لذاته.
في هذه المراحل، كانت نظرته للعالم مشوهة تماماً. كان يعيش في حالة إنكار، يرى الأشخاص الأصحاء على أنهم مخطئون و”يفوتهم الكثير”، بينما كان في الحقيقة يعيش في صراع داخلي مرير، يبرر أفعاله بإلقاء اللوم على أهله والمجتمع والظروف. وصلت به العواقب إلى خسارة زواجه الأول، حيث أفقده الإدمان السيطرة على سلوكياته، مما جعله يدرك حجم الدمار الذي ألحقه بحياته وحياة من حوله.
نقطة التحول: حين ينطفئ كل أمل
جاءت اللحظة الحاسمة التي دفعته نحو التعافي من رحم اليأس المطلق. يروي سعد موقفاً محورياً عندما فاجأه أخوه وأعز أصدقائه في عيد ميلاده، وبدلاً من الشعور بالفرح، لم يجد في نفسه سوى عدم القدرة على التواصل والنفور. في تلك اللحظة، نظر في المرآة وأدرك أنه وصل إلى نقطة اللاعودة، حيث لم تعد المواد المخدرة تمنحه أي شعور، بل زادت من ألمه. كانت تلك “القشة التي قصمت ظهر البعير”، الشرارة التي أشعلت قرار التغيير الجذري.
طريق التعافي: معركة شاقة مليئة بالدروس
يؤكد سعد أن التعافي لم يكن قراراً سهلاً أو طريقاً مستقيماً، بل كان معركة استمرت لسنوات وتخللتها انتكاسات خطيرة وجرعات زائدة كادت تودي بحياته. يشاركنا قصة مؤلمة عن انتكاسته في مهرجان موسيقي، والتي انتهت به في المستشفى، ليتعلم بالطريقة الصعبة أهمية تجنب “الأماكن والأشخاص والأدوات” التي ترتبط بالماضي.
التعافي الحقيقي، كما يصفه، لا يقتصر على الامتناع الجسدي، بل يتطلب “اقتناعاً” وتغييراً جذرياً في العقلية. هذا التغيير كان عميقاً لدرجة أنه شعر وكأن “شخصاً قد مات ووُلد شخص جديد”، فلم يعد قادراً حتى على التواصل مع أصدقائه القدامى. ويشدد على أن أكبر درس تعلمه هو تحمل المسؤولية الكاملة عن حياته، والتوقف عن لعب دور الضحية.
نصائح ورسالة أمل: بناء حياة جديدة
بناءً على تجربته، يقدم سعد نصائح عملية لمن يسير في هذا الطريق:
- للشخص المدمن: ضع خطة تعافٍ واضحة بالاستعانة بفريق شمولي من المختصين (طبيب، معالج نفسي، مدرب رياضة، مرشد روحاني). كن مستعداً لتقديم تضحيات، مثل التخلي عن علاقات وبيئات سامة، لأن هذا هو ثمن صدق نيتك في التغيير.
- لأهالي المدمنين: تجنبوا الانقسام بين الحنان المفرط (التمكين) والقسوة الشديدة. استشيروا مختصاً لوضع استراتيجية موحدة لدعم ابنكم بحزم وحب، وافهموا أن الإدمان مرض وليس مجرد ضعف إرادة.
في الختام، تحولت معاناة سعد إلى رسالة وهدف. هو الآن يعمل على مساعدة مليون شخص على التعافي، إيماناً منه بأن تجربته المؤلمة يمكن أن تكون منارة أمل للآخرين، ودليلاً حياً على أن الخروج من أحلك الحفر ليس ممكناً فحسب، بل يمكن أن يكون بداية لحياة أكثر عمقاً وصدقاً وهدفاً.