في حوار عميق وجريء امتد لما يقارب الساعتين، كسر البطل الرياضي الكابتن محمد العلاونة صمته الطويل ليجلس مع الإعلامي عدي داغستاني في بودكاست “تيستا سترونج”. لم تكن المقابلة مجرد استعراض للإنجازات الرياضية، بل كانت رحلة إنسانية كشفت عن الوجه الآخر للبطل، حيث تم طرح ومناقشة مواضيع حساسة وشخصية، من مفهوم الرجولة والضعف، إلى تجربة السجن، مروراً بنقد لاذع لصناعة اللياقة البدنية الحديثة.
1. عودة بعد غياب: الأسباب الشخصية والمسؤولية المجتمعية
استهل البودكاست بالحديث عن سبب غياب العلاونة الطويل عن الساحة الإعلامية. أوضح محمد أن انقطاعه لم يكن مجرد قرار شخصي، بل نتاجاً لظروف قاهرة بدأت بجائحة كورونا، وتفاقمت بشكل كبير بعد تعرض شقيقه الوحيد لحادث خطير وضعه بين الحياة والموت. هذه التجربة، إلى جانب ظروف شخصية أخرى، فرضت عليه فترة من العزلة والابتعاد. ورداً على سؤال حول “تقصيره” بحق جمهوره، اعترف العلاونة بالتقصير، لكنه ألمح إلى أن الساحة الرياضية الحالية أصبحت مزدحمة بالمحتوى الذي لا يقدم قيمة حقيقية، مما قلل من شعوره بوجود فراغ كبير.
2. تعريف الرجولة والقوة الحقيقية: الأخلاق قبل العضلات
انتقل الحوار إلى جوهره الفلسفي عبر مناقشة مفهوم “الرجولة”. قدم العلاونة تعريفاً حاسماً: الرجولة أفعال وليست أقوالاً، وهي لا تُقاس بحجم العضلات بل بالأخلاق والمسؤولية والصدق والقدرة على كسب الرزق الحلال. وفي كسر جريء للصورة النمطية للرجل القوي، اعترف محمد بأنه بكى كثيراً في حياته، خاصة خلال أزمة مرض والدته وحادث أخيه، مؤكداً أن “الرجال يبكون”، وأن إظهار الضعف في مواقف إنسانية قاسية لا ينتقص من الرجولة شيئاً. كما ناقش ثقافة “ممنوع البكاء” التي يُربى عليها الذكور في مجتمعاتنا، موضحاً أنه يحاول اتباع نهج مختلف في تربية أبنائه.
3. عالم الرياضات القتالية: بين التربية والجدل
غاص الحوار في كواليس عالم الرياضات القتالية. اعترف العلاونة بوقوع حادثة في الماضي استخدم فيها قوته بشكل مبالغ فيه وندم عليه لاحقاً، مما علمه درساً في ضبط النفس. كما تحدث عن تجربته في تدريب الشباب، مشيراً إلى أن دوافعهم تتراوح بين الهروب من التنمر، والسعي خلف الشهرة والثراء.
وكان أبرز ما كشفه في هذا المحور هو قصته مع ابنه “نبيل”، بطل الملاكمة الحالي، حيث اعترف بأنه “أجبره” على دخول عالم الملاكمة في صغره رغم شغفه بكرة القدم. لكن مع مرور الوقت، اكتشف نبيل موهبته وشغفه الحقيقي في الحلبة، وأصبح اليوم ممتناً لوالده. وفي لفتة تعكس تواضعه، روى محمد قصة نزاله التدريبي مع ابنه الذي تفوق عليه فنياً، مما اضطره لاستخدام “سلطته الأبوية” لإنهاء الموقف.
4. مواجهة الماضي: حقيقة السجن والجاهة العشائرية
بجرأة، فتح عدي داغستاني ملف تجربة سجن محمد العلاونة. أكد محمد صحة المعلومة لكنه أوضح أن دخوله السجن لم يكن نتيجة مباشرة لمشاجرة أو استعراض قوة، بل كان نتيجة لظروف معقدة وصفها بـ “الجهد الضائع”. وكشف أن السبب الجذري للمشكلة كان “الجاهة العشائرية” الضخمة التي تجمعت لدعم عائلته بعد حادث أخيه؛ حيث إن الحشد الهائل من المحبين والمساندين، والذي فاق التوقعات، تم تفسيره بشكل سلبي وأدى إلى تبعات قانونية انتهت بتوقيفه. وبهذا، ألمح إلى أنه كان ضحية شعبيته والعادات العشائرية في آن واحد. داخل السجن، أكد أنه لم يتلق معاملة خاصة وأن الاحترام يُكتسب بالأخلاق وليس بالخوف.
5. نقد لاذع لصناعة اللياقة البدنية: هرمونات وتسويق رخيص
وجه العلاونة سهام نقده إلى المشهد الحالي في عالم اللياقة البدنية. وفي اعتراف صادم، صرح بأن جميع أبطال كمال الأجسام في فئة الأوزان الثقيلة المحترفة يستخدمون الهرمونات والمنشطات، وأنه لا يمكن الوصول إلى هذا المستوى من الضخامة العضلية بشكل طبيعي. وانتقد بشدة المدربين الذين يبيعون هذه المواد للشباب دون توعيتهم بمخاطرها.
كما هاجم ثقافة “التدريب الشخصي” (PT) التي حولت بعض المدربين إلى “خدم” للمتدربين، يقومون بحمل الأوزان وترتيبها بدلاً من التركيز على التدريب الفعلي. ولم يسلم موضوع الملابس من نقده، حيث استنكر ظاهرة الملابس الضيقة والجريئة للشباب والفتيات في الصالات الرياضية، واصفاً إياها بالدخيلة على المجتمع وبأنها أصبحت أداة “تسويق قذرة” تستخدمها بعض النوادي لجذب المشتركين.
6. رسالة الختام: هرمون السعادة الحقيقي
في نهاية الحوار، سأل عدي عن “هرمون السعادة” الخاص بمحمد العلاونة. كانت إجابته بعيدة كل البعد عن الماديات والشهرة، حيث أكد أن سعادته تكمن في رؤية أهله بخير، وفي خدمته لوالديه وأسرته. واختتم البودكاست بتوجيه رسالة أبوية ومجتمعية قوية للشباب، حثهم فيها على الابتعاد عن طريق المخدرات المدمر، وناشد الأهالي بضرورة متابعة أبنائهم والاهتمام بهم عن قرب.
باختصار، لم تكن المقابلة مجرد حوار، بل كانت شهادة حياة لبطل رياضي قرر أن يشارك العالم ليس فقط بقوته، بل بضعفه وحكمته وندمه، مقدماً بذلك درساً بليغاً في معنى أن تكون رجلاً وإنساناً في آن واحد.