مقدمة: خلف الضحكة، حكاية فنان ووطن
في عالم الفن، هناك شخصيات تتجاوز حدود الشاشة لتصبح جزءًا من هوية جيل وذاكرة شعب. “العم غافل” ليس مجرد شخصية كوميدية، بل هو أيقونة حُفرت في وجدان كل أردني، رمز للبساطة والطرافة التي رافقتنا لعقود. لكن من هو الفنان الذي يقف خلف هذه الشخصية الخالدة؟ وما هي الحكايات والتحديات التي شكلت مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود؟
في حوار شيق وعميق، يأخذنا الفنان الكبير حسين طبيشات في رحلة عبر الزمن، لا يستعرض فيها مسيرته الفنية فحسب، بل يرسم من خلالها ملامح الحركة الفنية الأردنية بأكملها. من نبوءة جده في طفولته، إلى ولادة “العم غافل” بالصدفة في أروقة الجامعة، مرورًا بشراكته الأسطورية مع الفنان الراحل محمود صايمة، وصولًا إلى رؤيته النقدية لمستقبل الفن في الأردن. هذا ليس مجرد ملخص، بل هو دعوة للغوص في حوار يجمع بين الضحكة الصادقة، والتأمل العميق، والشغف الذي لا ينطفئ بفن يحمل رسالة وضميرًا.
ملخص للحوار
1. البدايات الفطرية وولادة “العم غافل”
يؤكد الفنان حسين طبيشات أن شغفه بالفن كان فطريًا منذ نعومة أظفاره، مستذكرًا نبوءة جده الذي قال له ذات يوم: “سيأتي عليك زمن تبيع فيه الحكي بيعًا”. هذه الموهبة المبكرة قادته إلى المسرح المدرسي والجامعي، حيث وُلدت شخصية “العم غافل” الأيقونية بالصدفة المحضة في عام 1986. أثناء تحضيره لمسرحية “البخيل” في جامعة اليرموك، استلهم الشخصية من رجل مسن رآه في أحد أسواق إربد، فقلّد مشيته وطريقة حديثه، لتولد شخصية ستصبح لاحقًا جزءًا لا يتجزأ من التراث الفني الأردني.
2. الثنائي الذهبي: شراكة العمر مع محمود صايمة (حمدي)
يستعرض الحوار بعمق علاقته التاريخية بالفنان الراحل محمود صايمة، التي بدأت منذ الطفولة في “فرقة أضواء الشمال” واستمرت لتشكل أحد أنجح الثنائيات الكوميدية في تاريخ الأردن. كانت مسرحية “العلم نور” هي الانطلاقة الحقيقية لشخصيتي “غافل وحمدي”. كما يروي طبيشات قصة ولادة برنامجهما الشهير “هيلمات” على التلفزيون الأردني، الذي طُلب منهما تقديمه بشكل مفاجئ ودون أي إعداد، لينجح بفضل الكوميديا العفوية والتلقائية. ومن أبرز المواقف التي لا تُنسى، قصته الطريفة عندما تأخر محمود صايمة عن دخول المسرح لأنه كان في “الحمام”، مما أدى إلى موقف كوميدي ارتجالي أضحك الجمهور بشكل هستيري.
3. تحديات المسيرة ومسؤولية الفنان
بعيدًا عن الكوميديا، يكشف الحوار عن جوانب إنسانية مؤثرة في مسيرة الفنان، حيث استعرض أصعب اللحظات التي مر بها، مثل تقديمه عرضًا مسرحيًا بعد أيام قليلة من وفاة والدته، وتحديه الأكبر حين أصر على تقديم مسرحية افتتاح مهرجان الفحيص وهو على كرسي متحرك بعد إصابته بكسر مضاعف في ساقه.
كما يناقش طبيشات دور الكوميديا في طرح القضايا السياسية، مؤكدًا أن سقف الحرية في الأردن كان مرتفعًا، ويستشهد بتقديمه عرضًا أمام جلالة الملك عبدالله الثاني الذي منحه الحرية الكاملة للتعبير. على صعيد آخر، يعبر عن قلقه من المحتوى السطحي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا على مسؤولية الفنان في تقديم أعمال هادفة تحترم ذوق المشاهد وتحمل رسالة إنسانية واجتماعية.
4. واقع الفن الأردني: بين الإمكانيات المحدودة والطاقات الهائلة
يقدم حسين طبيشات تحليلًا صريحًا لواقع صناعة الدراما والمسرح في الأردن. يدافع عن التلفزيون الأردني، موضحًا أن تراجع الإنتاج ليس سببه غياب الإرادة، بل محدودية الميزانيات مقارنة بالمؤسسات الإعلامية في الخليج. كما يتناول دور نقابة الفنانين، مشيرًا إلى التحديات المادية التي تواجهها وتأثير ذلك على دعم الفنانين المتقاعدين، ويوجه نداءً للنقابة بضرورة احتضان المواهب الشابة وتسهيل انتسابها، معتبرًا إياهم مكسبًا حقيقيًا لمستقبل الفن.
ويرى أن الحل يكمن في تضافر الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص لدعم الحركة الفنية، لأن الأردن يزخر بطاقات فنية هائلة أثبتت جدارتها في الداخل والخارج.
5. رسالة إلى المستقبل: نصيحة من القلب للجيل الجديد
في ختام الحوار، يكشف الفنان عن خططه المستقبلية التي تتضمن عملًا مسرحيًا جديدًا وتحضيرات لأعمال رمضانية، مؤكدًا استمراره في العطاء. ويوجه رسالة مباشرة وصادقة للشباب الطامحين لدخول مجال التمثيل، ناصحًا إياهم بضرورة تأمين مصدر دخل ثابت إلى جانب الفن، وذلك للحفاظ على كرامتهم وقدرتهم على اختيار أعمالهم بعناية دون الخضوع للضغوط المادية. هذه النصيحة تعكس خلاصة تجربة فنان كبير عاش حلو الفن ومره، ويقدمها كبوصلة للجيل القادم.